المتاجرة بالدِّين على مواقع التواصل الإجتماعي

المتاجرة بالدِّين على مواقع التواصل الإجتماعي

- ‎فيمجتمع وأخلاق
4221
2

المتاجرة بالدين على مواقع التواصل الإجتماعي
(تجار الدين أخطر من تجار الهيروين)
لا شكّ أن أحداً منكم لم يسلم من موجة (المزايدة في الدين) الّتي مازالت تضرب وتهدم عمق مجتمعاتنا، لا يكلّ أصحابها ولا يملّون، وكأنهم خلقوا لهذا الغرض، الدين دين الله والبعض يتفاخر به علينا ويشكّكُ في مصداقية إيماننا، ويطلق علينا الأحكام المسبقة ويعدنا باسم الله بالجنة أو النار، أجل… أقصد أولئك الذين يحاولون أخذ الحسنات (في نظرهم) إمّا بالترهيب أو السخرية!!
في البداية ترددتُ عن تناول هذا الموضوع في مقال، فلربمّا اعترضني تعليق أحدهم بأنّ هذا الأمر مخالف لنصوص الدينية مثلاً، ولكنّني ألقيت بمخاوفي وتعليقاتهم اللاحقة في الجحيم، وقرّرت أن أكتب في الّذين يحلّلون ويحرّمون بل ويُكّفرون بناءً على ما تمليه عليهم أنفسهم، وما أفسد المجتمعات غيرهم، وأظنّني لا أبالغ لو قلتُ أنهم أشدّ خطورة على الإسلام من أعدائه، كأن يرسل إليك أحدهم نصاً قرآنياً أو دعاءً، أو الاثنين معاً، وفي آخر رسالته يقول أنك ستسمع خبراً مفرحاً في غضون خمس دقائق إذا أنت نشرته، وستحزن إن لم تنشره خمس سنين، أحياناً أجد البعض ينشر سورة الإخلاص ويقول لك:” أتحداك أن تجد الخطأ فيها”، ثم يخبرك في الأخير أنّه جعلك تقرأ القرآن غصباً عنك، والبعض يقدّمها إليك في شكل نكت، يقول لك: (محشش شاف زرافة قال: الله أكبر) وكالعادة في النهاية سيذكّرك أنك ذكرت الله من دون أن تدري، أقسم بالله العلي العظيم أنني سأنشر هذه الصورة “لا تنسى أنك أقسمت”، يخاطبوننا باسم الربّ، ما هذا الهراء؟؟
يصلني هذا على شكل رسائل من أشخاص في مستوى جامعي، أو يظهر كمنشورات في صفحاتهم الخاصة على الفيسبوك (باعتباره الموقع الأكثر إرتياداً)، لم أكن أظنهم بهذا المستوى من الغباء، أتجاهلها عمداً، وأحيانا حين يفيض الكأس أسأل أحدهم: أتصدق هذه التفاهات؟
(يجيب): لا ولكنها أرسلت لي فقط.
يا أخي مادام أنك أرسلتها لي فأنت تصدقها ولربمّا كنت تنتظر فعلاً خبراً مفرحاً بعد خمس دقائق، مثل هؤلاء أظن أنّهم سيكونون أول المقبلين على صكوك الغفران لو كنا في القرون الوسطى.
المشكل يتكرر والتكرار يخلق مشكلة أكبر، ونحن مازلنا في القاع، مازلنا في الحضيض ولا أحد ينتبه، وقلّ من يذكر الله إلّا رياءً أمام الناس أو لجمع اللايكات لصفحته الشخصية، تباً ما أقبحها من صفحات تروج لنفسها باسم الله.
يقول تعالى: (ولئن سألتهُم ليقولنّ إنما كنا نَخوض ونلعب قل أبالله وآياتِه ورسوله گنتم تستهزؤون) التوبة – 65.
هذا كلّه من جهة، ومن جهة أخرى هنالك من ينتظر منك مجرد خربشة أو موقف أو صورة حتى يبدأ بمزايداته الدينية ولكن بطريقة أخرى، أينما حاولت التكلم عن حقوق المرأة فأنت تروج لثورة ضد الأخلاق وضد الإسلام و أن فكرك متطرف، حسناً… وإن وضعت صورة لجي غيفارا أو غاندي هاجمك البعض لكونك تضع صوراً لكفار شيوعيين، أحد مغنين الراب في الجزائر كان نشطاً في هذه الأيام بقوة في مواضيع إيجابية وهو معروف أنّ كل أغانيه هادفة، كنتُ في متابعة لمنشور له بخصوص الثورة التحريرية، أو فلسطين، لا أذكر تماما… فوجدت من بين التعليقات أحدهم يقول: “ولكن الموسيقى حرام!!” كل ما فعله الرجل أصبح لا شيء فقط لأنه فنان موسيقي، إن كانت الموسيقى حراما أو حلالا، فلماذا نُقحم النقاشات الدينية في أيّ موضوع للانقاص من قيمته؟ يبقى العمل الخيري خيرا وفقط!
تقرأ رواية لباولو كويلو يتهمك البعض بأنك فارغ وسخيف، “لو كنت في مكانك لقرأت كتب الدين والفقه بدلاً من هذه الخردة التي لا تنفعك في شيء”، ربط غير منطقي لأمور لا علاقة لها ببعضها!
“الدين ليس وجبة سهلة الهضم” لتعطوا آرائكم فيه بكل ارتياح، ومن ثمّ تنسبونها إليه، لتحلّلوا وتحرّموا وتفسّروا الآيات وفق أهوائكم، الدين كذلك ليس سلعة عليكَ تمريرها بأسرع ما يكون للآخر في غلاف النكتة أو قصة رعب، الدين ليس سريع الاستهلاك، يجب أن تملك عقلاً واعياً يحلّل كل شيء ولا يقتنع بشيء أخذه من الأفواه دون التقصي والبحث.

 

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    يؤسفني هذا المقال ، ليس من ناحية الجودة فقد أصاب الهدف ، لكن الاضطرار الى الكتابة عن الموضوع يعني أن هذه الظواهر منتشرة بكثرة و لا أمل في تناقصها قريبا ، و اتفق معك في هذا النوع من الناس اخطر على الدين من أعدائه ، و انهي بمقولة محمد الغزالي رحمه الله (إن فساد الأديان يجيء من تحولها إلى ألفاظ ومظاهر)

  2. Avatar

    عبد الرزاق

    يُقال يا صديقتي أن المطلع على الشيء ينسحب على النقاش فيه لعلمه أن العلم ليس لعبة ولا يمكن الخوض فيه دون لمس كل الجوانب وكل نقاط العلم وكل نقط من الأسس، لهذا يفضل التفكير والتطوير والتبسيط.
    ولكن ولتفاهة الأمور نرى الكثير يتحدث فيما لا يفقه، أقوال اصبحت منسوبة كأحاديث، تفاسير لم نرها الا على مواقع التواصل الاجتماعي، واخيرا نسمع ونقرأ ما نريد ان نقرأ نكرانا للذات وخوفا على ماورثناَ، لهذا لا تعبر الأغلبية مطلقا على الوعي

‎التليقات مغلقة‫.‬