الجزائر بين خذلان المنبر وعزيمة نوفمبر

الجزائر بين خذلان المنبر وعزيمة نوفمبر

- ‎فيفكر وحضارة
1030
التعليقات على الجزائر بين خذلان المنبر وعزيمة نوفمبر مغلقة

الجزائر بين خذلان المنبر وعزيمة نوفمبر
#أنا_منسيتش #1_نوفمبر
لا شك أنّ حضارات الأمم وحروبها وانتصاراتها ونكساتها وكل تواريخها، توضع تحت رحمة المؤرخ أو من يدلي بشهادته حولها، عندما يكون هذا المؤرخ رجلا سيئا فستنقلب حقائق التاريخ، حينها سيصوِّر لنا هذا السيء بأن الأنذال (أبطال) وأن الخونة والمتواطئين هم (مناضلون)، وطبعا سيصور لنا وطنية أولائك “الحركى” في حلّة النزهاء…
فاذا كنّا بصدد الغوص في تاريخ الجزائر وانطلاقا من قراءة في شهادات المناضل والمفكر “بن نبي” سنسأل أنفسنا حينئذ كيف بقي الاستعمار قرنا وثلاثة عقود من الزمن، على أرض الجزائر العظيمة، وغيرها من التساؤلات….؟!
حتى لا نظن هذه البلاد التي طالت فترة الاستعمار فيها مدة طويلة، أنّ قدرها محتوم، وإنّما كان بسبب تخاذل البعض الذي كان قادرا حينها على وضع منعرج هام للجزائر، من خلال توعية الشعب وتثقيفه وتوجيهه، الذي كان يومها شعبا ساذجا طيّبا لا يحضر إلّا لخطب المساجد للاستماع للمواعظ والدروس الدينية، مجتمِعا حول المنابر عاشقا صياحها عله يتقي النار ويفوز بالجنّة، ذلك الشعب الّذي كان أصلا يعيش في الجحيم وذلّ العبودية، فكان الجهل عذره، وكانت غشاوة “الأبطال” و”المناضلين” و”النزهاء” تعميه، لا سبيل له آنذاك كيف يفكر أو كيف يقضي على ذلك الفيروس ويقوي مناعته التي كانت ضعيفة قابلة للاستعمار، فاللوم عليهم كما هو اللوم اليوم على فئة محدّدة و هم النخبة أو المثقفون الذين يتقنون فنّ النحو، والعارفين بأمور الدين، لم يكن يومها بينهم من يفكر لهذا الشعب ويضع له أسس النجاة والقوة إلّا القليل منهم وحتما قد وُوجهوا بالقمع، ربّما لأنهم قد تخطّوا حدود مهمّتهم، التي خرجت عن النصوص الشرعية والحكم الوعظية إلى الممارسة السياسية والفكرية.
كما علينا أيضا أن نستحضر في هذا المقام التاريخ الحقيقي للجزائر، فندرك تمام الادراك أن صفة الجزائر العظيمة  فقدتها مؤقتا إبان الاستعمار الفرنسي النذل، وبتخاذل المتخاذلين… حيث لم تعد السفن تخفض أشرعتها حين تمر على سواحلها، ولم تعد تدفع ضرائب العبور لدى القابض في موانئها ولم يعد قادتنا يصفعون الانذال بالمروحة بل … ما تعرفونه والذي يحصل اليوم!
بعد بطش الاستعمار بشعبنا الطيب والذي لم يجد من يحدو به نحو الخلاص وتوعيته بفكر دنيوي، بعيدا عن المنابر الدينية التي لم تحدثه عن الأرض وعن نعمها، عن كيفية استردادها وعن السبيل للحرية كما هو حال اليوم، بل اجتهدوا في اقناع عقله الباطن بأن يموت قهرا… وسيكون مصيره الجنة..
بينما ونحن نتأمل في ذلك التاريخ القذر، فاذا بالجزائر تعود مرة اخرى بطينة لرجال رائعين، أدركوا حريتهم بعقيدة سليمة مؤمنين أن الاستسلام للمستعمر ما هو إلّا خزي، تسلّحوا بايمان قويّ وبشهادة ألا إله إلّا الله وأنّ محمدًا رسول الله، ثم جاء الوعد الحق ليلة أول نوفمبر فآوتهم الجبال والأنهار، الحجار وحتى الأشجار، فكانت بندقياتهم معصومة، وأجسادهم المستسلمة للخالق لا للمستعمر تعبر الحدود الداخلية، وتتخطى كل الحواجز الملغّمة، وكل مستحيل… بيقين الانسان الحرّ، بعدسبع سنوات من الخطب المنعقدة في منابر الجبال الشامخة، بنبرة الصوت القاتل، صوت البنادق والقنابل، استجاب الخالق لدعواتهم… لصدق عزيمتهم، والتغيير الذي ناشدوه بفعلهم وليس بالقول، حتى اندحر ذاك الغاشم المهزوم معترفا بجبنه أمام بواسل العالم، واستسلم لفكر الرصاص وعقيدة الأرض.
هذا التاريخ المشرف… تاريخ الجزائر العظيمة، الّتي في عز أزمتها أعلن منها عن قيام دولة فلسطين ثانية، وبعدها…خطى المجاهدون خطواتهم العملاقة وفاءً لعقيدتهم، وشرفا للأمة حاملين راية الجزائر العظيمة وهم يتقدمون الصفوف الأولي لخط بارليف في حرب أكتوبر (مصر 1973)، هو التاريخ الذي جعلنا مسؤولين أمامه بأن نعتبر، متيقّنين أنّ لهذا الشعب أصل ثابت.
أما اليوم ونحن نقف في حضرة هذا الواقع البائس الذي نعيشه، والانحطاط الذي نحن فيه، فإن صوّرنا أنفسنا من بعيد لرأينا كل واحد فينا كأنّه فريسة، وأنّ تلك الارض العظيمة (الجزائر) عبارة عن غنيمة…
ومن دون سابق معرفة، نرى التاريخ القذر يعاود نفسه، رغم العلم والعلماء والمفكرين ومن غير مستعمر واضح على الارض، نعيش في بؤس تاريخي سببه دائما “التخاذل”.
ختاما…أظن أنّ الأمر قد بدا لنا واضحا تماما عن سبب تقاعسنا وضعفنا وهواننا، فلابد للجزائر أن تعود بإرادة حقيقية نحو سبيل النجاة، والقوة، وستبقى سيادة هذا الوطن قائمة بهوية شعبها وتاريخه ولن تسقط بتخاذل المصفقين وأسيادهم، والذين لازالوا يُؤخّروننا مئات السنين، ويُنسوننا قيمة الأرض والانسان، وقضايانا المصيرية والتنموية للوطن، لذا… سنقول دائما.. ستبقى الجزائر عظيمة بشعب له تاريخ، بإرادة نوفمبر، بجيش ذو عزيمة جبّارة، ولن تسقط حتّى لو تخاذلت كل المنابر… حتى لو سقطت جميع السراويل الرسمية… ستبقى الجزائر عظيمة.

فتحي بن لحبيب

تعليقات الفايسبوك