الجزء الثاني من قصّة “غَنَمْ” (قصّة سياسية)

الجزء الثاني من قصّة “غَنَمْ” (قصّة سياسية)

- ‎فيأدب
1263
التعليقات على الجزء الثاني من قصّة “غَنَمْ” (قصّة سياسية) مغلقة

الجزء الثاني من قصّة “غَنَمْ” (قصّة سياسية)
“إلى كل من أبى أن يكون خروفا..
فما استذأب و لا استكبش..
لكنه أراد أن لا يكون إلّا أسدا..”
لقراءة الجزء الأول:
“غَنَمْ” قصّة سياسية (واقعية)، أحداثها تتجسد ما بين سطورها.
التكملة:
افترش المسكين الأرض و أسند رأسه إلى سريره، وأخذ يتحسّس أماكن الألم في جَسدِه، و الدموع قد صنعت أخاديد على وجنتيه البريئتين..
أيُّ أمٍّ هذه؟ أقلبها حجر؟ أم هو مستأصلٌ أصلا؟!!
مهلا …أهي أمّه بالفعل؟ !!! أخيرا تذكر… نعم هي ليست أمه، إنّها زوجة الأب الشريرة (دخلت البيت منذ أن كان رضيعا، جاءت من بعد ما استرجعوا منزلهم بمدة قصيرة، و منذ ذلك الحين وهي متربعة على عرش البيت لم تستقل و لم تُستبدل.. لم تعامله كابنها قط … في لحظة مرَّ شريط ذكرياته معها، لم يحمل بسمة ولا معاملة طيبة منها إلا وكان من وراءها غرض ما، ألهذه الدرجة كان مغفلا؟!! أيعقل أنّها كانت تستغله طوال تلك السنين؟!!)
رحمك الله يا أبي ،استشهدت في سبيل استرجاع البيت لتعث فيه فسادا هذه الأم “المزُيّفة”…
(تساءل في نفسه، أتراها المرة الأولى الّتي تعط المال لتلك الصديقة اللدودة؟ أم أنها المرّة الثانية أم العاشرة، أم الألف!!!
هل يسكت ويستسلم أم يطالب بحقه في تقرير مصيره؟ هل يتحمل ألم الجوع والإهانة و ينام ، أم يجاهد حتى يسترجع حقه المسلوب؟ شعر بالخوف بمجرد التفكير في أن تضربه مرة أخرى إن حاول مطالبتها بحقوقه، لكن ما من شيء
يخسره بعد الآن… نعم عزم على مواجهتها.. لكن كيف؟!!
بق وقتا طويلا يفكر في خطة يسترجع بها حقوقه و هيبته فيخرج من الحرب بأقل الخسائر مع تلك الأم، لكنه أفرط في التفكير فنام على وضعه ذاك، يفترش الأرض ويضم ركبتيه إلى صدره ويدفن وجهه بينهما، أطال التفكير أنّه خائف، فمن بطشت به مرة ستبطش به مرة أخرى …
ظلّ المسكين أياما على حاله، طال تفكيره فزاد خوف، فكتم صوته واعتاد على وضعه كما لو أنّه خُلق أبْكَم… بينما هي استغلت سكوته ورضوخه أيّما استغلال، فصارت تستضيف تلك اللدودة في بيتها علنا، وفي ذات الوقت كانت تتوقع أن هدوءه يسبق العاصفة، وكعادتها  حصّنت نفسها بأسوار دفاع تظنها محكمة تقيها من العاصفة متى هبت، وذلك بمباركة من جلالة “اللدودة”، فقد قامت بشراء الكثير من شرائط الأفلام الرخيصة، وكثّفت الحفلات الراقصة في المنزل على شرفه هو ،كما اشترت له أجهزة ذكية للاتصال بالانترنت، ليتمكّن من الغوص في مواقعها الاجتماعية كـ “الفيس بوك” و “التويتر” و “اليوتيوب” وغيرها، لكن تحت رقابتها.
لم تكتفِ بذلك فحسب بل ابتاعت له كرة قدم أ أيضا، أو الأصح كرة النحس، إلى جانب أنها لعبة مسلية فإنها مغناطيس مشاكل لا تنتهي… قام بكسر واتلاف معظم أثاث المنزل أثناء لعبه بها… لكن الغريب هو أن “المزيفة” لم تعاقبه على أفعاله و لم توبخه باللفظ حتى!! بل وكان ذلك كالعسل على قلبها .. لأن الصبي انشغل بتصليح ما أفسده، حتى أنه كان اذا لعب بها في الخارج تشاجر مع أولاد الجيران …
أمّ الأغرب فقد نسي الولد تماما واجباته و أ أهملها.. والأم الدخيلة تغاضت عن ذلك بل وشجعته بطرق غير مباشرة على الاستمرار في الكسل والتكاسل…
يوما عن يوم ومشاكل الولد تتفاقم و تلك ” المزيفة ” لم و لن تلقِ بالا لها و لن تُقدِم على حلها و لو بمجرد محاولة بصفتها ربة المنزل، كيف تحلها ومشاكله كانت بدورها حلا لمشاكلها!!
ظنت أنها تتحكم في زمام الأمور، وأنّ كل شيء تحت سيطرتها، و ما من أمر يحدث في البيت إلّا بإذنها، لكن الحياة عجلة تدور، فإن كانت لك اليوم حتما ستكون لغيرك غدا … فقد حدث ما لم يكن في الحسبان، بينما كانت تتفق مع السيدة ” اللدودة” على صفقة جديدة والّتي تعود بفائدة أكبر على جلالتها حتما، كان الصبي يهيئ الصالة لأكبر مفاجأة لمن كان يظن أنها أمّه وتهمها مصلحته…
أنهت اتفاقها الذي توافق عليه دوما شاءت أم أبت، و عادت الى المنزل …
“إرحلي، أفاق طفلك من غيبوبته أخيرا، لن أكون مغفّلا بعد الآن،لا الأمّ المزيّفة ولا الصديقة اللدودة، آن للبركان الخامد أن يثور”
كلّها عبارات كانت مكتوبة على لافتات علّقها على جدران الصالة، تلك كانت طريقته في إيصال صوته إليها بمنتهي السِّلْمِيَّة. حملقت في اللافتات مدة… ما هذا؟ أهو ذاك الصغير من قام بكل هذا؟ من أين له بمثل هذه لأفكار؟ ثم ما الذي جدَّ حتى قرّر أن يعلن الثورة!! حتما إنّها أيادي أجنبية، فالصغير أبكم، أصم ومعاق… يا إلاهي أهي العاصفة التي كنت أأخاف؟!! لا بد من أنه يعي ما يقول، هل سيقدر على الإطاحة بي؟!! ما إن علقت هذه الفكرة في ذهنها حتى جن جنونها، فما كان منها إلّا أن توسع المسكين ضربا…
مرّت الأيام ولم يتغير الحال، ما إن تلمح لافتة معلقة على الجدار حتى تنهال عليها تمزيقا وعليه تعذيبا. لكن الطفل قرر عدم الاستسلام، استيقظ ضميره أخيرا ولا يريده أ أن ينام أو يموت!! فقد عاد إلى مزاولة أعماله الواجبة عليه بمنتهي الإخلاص، بينما كان منهمكا في ترتيب غرفته لاحظ شيئا أسودا في دولابه لم يلحظه قبلا، أ أخرجه بكل حذر ووضعه على الأرض كمن يحمل بيضا يخاف أن ينكسر، فتحه بحرص شديد، لكن المفاجأة:
-صوف !!!!!!
قالها و هو يحمل الصوف بين يديه متعجبا مستنكرا، من وضع هذا الصوف هنا… آخ.. حتى رائحته لا تطاق.. حمله بين أطراف أصابعه، مادا ذراعه إلى الأمام ووجهه مكفهر، يرفع شفته العليا محاولا سد أ أنفه كي لا يشم رائحته الكريهة…
توجه ‘لى غرفة (الولية عليه غصبا) كي يسألها عن هذا الشيء المقرف، و كيف وصل الى غرفته بين حاجياته ..
– أنت من وضع هذا الشيء في خزانتي؟
سألها و هو مشمئز من رائحته التي تفوح.. بينما  أجابته مبتسمة نصف ابتسامة بطرف فمها..
– غريبة .. ألم تلحظه قبلا؟ إنّه في خزانتك منذ ولادتك يا حبيبي.
صمت متعجبا  ثم أردفت:
– ظننتك اعتدت عليه، أنظر أنا أملك واحدا أ أيضا…
قالتها و هي تفتح خزانتها و تشير الى صندوق أسود مماثل لصندوقه تماما، فتعجب الصبي وقال مستنكرا:
– لا أريده، يمكنكِ الاحتفاظ به اذا أردت.
أجابت على الفور :
– لا يمكنك..
– لمَ؟
جلست على طرف فراشها و نادته ليجلس بجانبها ففعل ..
– انّه لباسك الرسمي يا بني
– لا تقولي ابني.
– حسنٌ، حتى والدك كان يملك واحدا … لكنه ما إن جرّب التخلّص منه حتى تخلّصوا منه..
أجابها مشدوها:
– من هم؟
-يبدو أنّك لا تعرف شيئا مطلقا.
رافقت ذلك بابتسامة يشوبها الحزن و الأسى، زفرت زفرة فأخرجت لهيب ما كان يعتمل في صدرها وقالت بجدّية:
– نحن يا ولدي… أقصد يا عربي في مسرح كبير، نقوم بتمثيل أدوار الخرفان بمنتهى الحرفية والاتقان ولسنا من اختار هذه الأدوار لكنّها فُرضت علينا فرضا.
– من فرضها علينا؟ ولماذا؟
– تمهّل سأحكي لك كل شيء …
إنّه المخرج من أمرنا بتمثيل هذه الأدوار، وهذا المخرج يتلق الأوامر من دار السينما الكبيرة، أظنك تعرفها..
أومأ برأسه موافقا فتابعت:
– وصديقتي التي أهديتها المال تعمل في تلك الدار، معارفها كبار حتى أنها لا تمثل دور الخروف مثلنا، قبلت أن تكون ذئبا كما عرضوا عليها، كان من الواجب أن أصادقها و أكسب ودّها كي أحافظ على هذا و هذا (أشارت إلى رأسها ورأسه).
فقال مستنكرا:
– لا توهميني بأنكِ تسرقين مالي كي تحافظِ عليّ، توجد مليون طريقة أخرى لكنك اخترت الأسهل.
تابعت و كأنّها لم تسمعه:
– كل من أراد تغيير دوره عرضوا عليه إمّا أن يكون ذئبا أو كبشا، طبعا أن تكون كبشا أسهل، لكن أباك وقتئذ رفض العرضين فحوّلوه رغما عنه كبشا وافتدوه.
سألها ببراءة:
– ولما لا نضع يدا بيد ونقف في وجه هذه الدار، لا بد أنّها ستخاف منّا فنحن أكثر منهم عددا و لدينا الحجّة لذلك.
أجابته بحدة:
– لا نستطيع لأنّنا في الحقيقة…
صمتت برهة ثم تابعت بنبرة ذات مغزى:
– غنم .. !!
– غنم .. !!؟
قالها و هو ينظر الى ذراعيه.. وإذا بشعيرات من الصوف بدأت تبرز عليهما، ذعر المسكين وهرع الى المرآة، و اذا بفمه يستطيل إلى الأمام وظهره يتقوس إلى أن تحول خروفا:
استيقظ فزعا من نومه و هو يصرخ:
– لا،لست خروفا لا، لا….
سمعت والدته صوت صراخه فهرعت إليه تجري…
– عربي!! ما بك يا بني؟ هل رأيت كابوسا؟
نظر إليها متفحصا، ليست زوجة والده الّتي كانت تجلس معه، إنّها تلبس رداء صلاة أبيض وتحمل مصحفا، أجل إنّها أمّه.
خرجت عبارة من بين شفتيه بصعوبة:
– هل أنت أمي حقا؟
أجابت و قد رفعت حاجبيها:
– ما دهاك بني؟ أجل أنا أمك، لا بد أنك رأيت كابوسا أخافك لهذه الدرجة، إهدأ، لا تقلق… أنا بجانبك.
ثمّ ابتسمت ابتسامة أشرق قلبه معها… إلتفت إلى وسادته كي يتأكد أنّه  كان نائما بالفعل ثم قال:
– لقد تحولت إلى خروف يا أمي كنت أريد أن أصبح أسدا، وأنت كنت زوجة أب شريرة، آه يا رأسي…
ابتسمت مرة أخرى و جلست بجانبه و ضمته الى صدرها بحنان:
– لا تخف بني إنه مجرد كابوس، لا بد أنك لم تصلِّ الفرض البارحة لذا هاجمتك الكوابيس.
الصلاة!! لقد نسي أمرها بالفعل، حتى في حلمه لم يرى نفسه قد صلّى قط.
قطعت شروده و هي تربت على كتفه…
– لا تخف فإنّ الله تواب رحيم، قم و توضّأ وأقم صلاتك.
مدت له يدها بالمصحف:
– خذ هذا، ما ان تقرأ منه، وتتمسك به حتى تنتهي كل كوابيسك.
ثم ابتسمت وأردفت:
– و ستصبح أسدا بإذن المولى كما أردت.
تركته وانصرفت حين سماعها أذان الفجر، ثم استدارت إليه وقالت:
– قم لبِّ نداء ربك، فهذا فجر يوم جديد.
عن مالك بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله “. “رواه في الموطأ ”
و قوله تعالى من سورة آل عمران:
(إضغط على الصورة لمشاهدتها بحجمها الطبيعي).
quran

تعليقات الفايسبوك