لــ”الزنقة” دستورها أيضا!

لــ”الزنقة” دستورها أيضا!

- ‎فيمجتمع وأخلاق
1149
التعليقات على لــ”الزنقة” دستورها أيضا! مغلقة
@أمين وناس

الشّارع أو الزنقة، لهذا المكان الّذي يحوي تجمعا سكانيا وله رمزية كل ما هو منحطّ بمعايير وضعت مقولبة من الطبقة الحاكمة، لما تواجهه من رفض و تمرد في هذه المناطق التي غالبا ما تكون بيئة ملائمة لتفشي الفقر والأمية والآفات الاجتماعية، لغياب أو عدم وصول مشاريع التنمية إليها، هذا الشارع الذي يحاول البعض إلغائه من الصورة إعلاميا، خاصة الرسمية منها، لطالما أريد من هذا المكان أن يبقى رمزا للتخلف والتسرب المدرسي، المخدرات وتجارة الممنوعات، في الجزائر تسمى “الزنقة”، المرادف للأزقة في العربية الفصحى.
الشارع أو الزنقة، هو العالم البعيد عن شاشات التلفزيون العامة والخاصة، و إن تم تصويره أو نقله سينقل مداهمات الشرطة في أعيادها لمحاربة تجارة المخدرات والممنوعات عامة، أو ربّما ترحيل سكانه إلى أحياء جديدة بشكل يظهرهم أنّّهم غجر أخرجوا من الجاهلية أو العصر الحجري إلى نور المدينة والتحضر، غير هذا لا يُعرف عن الشارع شيء إلّا من عايش الحياة فيه و تفاصيلها اليومية.
الزنقة، هو كيان اجتماعي عمراني في الغالب يكون ضيقا، عال الكثافة السكانية، له قانونه الخاص، مبادئه الخاصة، أخلاقه أيضا، ما يُرى عيبا في الأحياء الراقية، الزنقة تسمح به، و ما قد يكون مباحا لدى أحياء البورجوازيين، تمنعه الزنقة و تضعه في خانة المحرّمات، معايير متعددة من دين وعرف و تقاليد و تجربة وقانون غاب فرضته الظروف، دستور وتنظيم غير مدون، الجميع يعرفه دون أن يدرسه بل يلقن من حياتهم اليومية.
“الزنقة” هي ذلك المكان الّذي يجب أن يحتوي على زاوية خاصة بقمامة الحي، في الغالب مبعثرة، مقهى شعبي يكون مركزا معلوماتيا استخباراتيا لآخر أخبار الحي، يُتناول فيه مواضيع الرياضة التي تأخذ الحيز الأوسع من كل الأحاديث والسياسة، طبعا – لكن التقرعيج سيد الموقف- (التقرعيج: الإلمام بأخبار الناس وتفاصيل حياتهم)، ستقابلك زاوية أخرى تخص البطالين أو عديمي الجدوى في نظر الدولة، رقم في سجل على الأكثر، هكذا تعاملهم السلطات، لذلك اتخذوا مكانا خاصا بهم في “زنقة”، سجائر الكيف المغربي، فنجان قهوة جزائرية – يكوبي- يرتشف منه طوال اليوم، ينفث دخان الفشل والحقد على كل ما هو سلطة، لطالما تجسد لهم النظام و قمعه في سيارة الشرطة -الفيتو-، لم يملّوا بعد ملاحقات الأمن ومداهماته بشأن تجارة واستهلاك الممنوعات، من كِيف معالج مغربي، قنب هندي، أسلحة بيضاء والسوق السوداء للكحول، وضحية الأغلال سيكون حديث الساعة لأسبوع أو أكثر.
“الزنقة” يمنع منعا باتا أن تعجب بأخت صديق لك، سيدخل في خانة الخيانة العظمى، لا يرى معنى للرجولة في مثل هذه المواقف، يمنع النظر باتجاه النوافذ أو الشرفات الخاصة بالعمارة أو المنازل، لأنّ لها حرمتها بنسائها اللواتي قد تكن منشغلات عاريات الرأس تعلقن الملابس للتجفيف، في الزنقة يُقال “السلام عليكم” على كل مجلس، هذا أمر واجب أو أنّك تصنف في خانة “المتكبرين”، في الزنقة عليك أن تزن كلامك لأنّه “التوسويس” أي الوسواس يلقي بظله على الجميع، لذلك يوجب تجنب سوء الفهم فالعاقبة تجعل منك هدفا “للخدمي” غدرا – جرح بالسكين–، لقب الشيخ يمنح لكبار السن، لمّا له من دلالة اجتماعية كتمييز بالحكمة والتجربة.
“الزنقة” تعطي تقديرا عظيما للزوالي-الفقير- الذي يكد في عمله و يكسب قوته بالحلال، ويحسن تربية أبناءه، ويضرب بهم المثل في أخلاقهم و فضائلهم، “الزنقة” تسمح بتدخين سيجارة كِيف أو تناول الكحول ليلا، لكن – ماتخسرش- يعني أن تكون ناضجا بأعينهم، لا تفتعل الشجارات ولا تتفوه بكلام بذيء من الممكن أن تسمعه العائلات فحرمتها قبل كل شيء.
“الزنقة” لها مفعول نوستالجي في نمط الحياة من أكل و طبخ لدى النساء، حيث لازلن يحسنن طبخ الأطباق التقليدية، يحافظ مجتمع الزنقة الفقير أيضا على نمطه الموسيقي السائد كل حسب منطقته من شعبي أو مالوف أو مداحات، و الأكيد أن العولمة تجد بيأتها المفضلة للنشأة أين الشباب الذي يبدأ في الانفتاح على الثقافات الأخرى، ستجد حتما روادا لموسيقى الراب و الروك أو طبوع أخرى لا تنتمي إلى الزنقة.
للزنقة حكماؤها وشعرائها  وأصحاب الروايات والأحاديث الشعبية الكثيرة التي تملك سحرا خاصة في الجنائز والمحافل الشعبية.
الزنقة عالم فريد من نوعه، بالرغم من مآسيها وآلامها الّتي تكتمها لكنّها تتجسد على جدرانها أين قد تجد أن حرية التعبير فيها تقاوم ولم تركع بعد، عبارات ترفض النظام، عبارات حالمة بالهجرة، عبارات توجد لها مكانا بالقوة، تقول بكل تمرد “نحن هنا” بالرغم من كل التعب والفقر والحرمان نصارع للبقاء، أحد أبناء الزنقة مات مغدورا، في أحد أغانيه قال “مزال كاين ليسبوار” الشاب حسني رحمه الله.
في الزنقة تحب وتعشق، لازالت تملك تلك الصورة النمطية عن بنت الحومة الجميلة التي لا يرغب لها أحد أن يتزوجها شخص غريب عن المكان، “خبز الدار” لا يأكله البراني، الأكيد أن للزنقة مساوئها و عيوبها، لكنّها تحاول التستر عليها بمفاهيم العرف والدين والتقاليد، في الزنقة أختصر أكبر عيوبها.. في معاملتها للمرأة.
الزنقة لازالت تصارع للحفاظ على أحد أهم مبادئ دستورها العرفي، “النيف” والشرف في ظل تغير الكثير من المعطيات، فظلمات الفقر جعلت من المال سعادة للكثيرين، لأنّ أمراضا عُضالا بدأت تضرب أعماق الزنقة، وهنا بالذات مشاكل الزنقة الاجتماعية ستبقى تتأرجح بين المال والنساء ككل المجتمعات في العالم…

تعليقات الفايسبوك