عقائد وهمية ونظريات تأسر مجتمعاتنا

عقائد وهمية ونظريات تأسر مجتمعاتنا

- ‎فيمجتمع وأخلاق
1102
التعليقات على عقائد وهمية ونظريات تأسر مجتمعاتنا مغلقة

عقائد وهمية ونظريات تأسر مجتمعاتنا
إن أرجح الأمور دائماً هي الوسطية في كل شيء، حتّى في الفكر، الغاية منها الابتعاد عن التعصب لما يملك الشخص من أفكار مسبقة، دون أن ينصاع وراء أفكار أحدهم لمجرد أن لغته فخمة ولسانه بليغ، ومع ذلك لا يملك أدنى حجة، الوسطية ببساطة هي ما يطيب به الخاطر وما تقتنع به النفس وما تلين به القلوب، وما يتقبله العقل ويباركه المنطق ويتشكل بالقرب من الحقيقة.
تبنّت مجتمعاتنا عبر سنين طوال أقوال وعادات وتقاليد من الأجداد بما تَوفر لهم من علم آنذاك، خبرتهم في الحياة عُصرت لتنتج لنا ما اعتقدوا بأنه الأصح في ذلك الزمن، هذه الموروثات نقِلت كما كانت، لم تدوّن وإنّما تناقلت شفوياً على ألسنة أسلافنا إلى آبائنا، ثمّ إلى جيلنا هذا، في هذا الجو المتعطر بالعلم والمعرفة، بتناسق جذاب بين الطبيعة والابتكار، في ربوع التكنولوجيا والقيم الجديدة المكتسبة .
ليس من الصائب أن نكون من أصحاب العقول ذات النسق المغلق (كما يقال في علم النفس )، نتقبل كل شيء بدون علم، بدون نقاش أو مجادلة أو حتى بدون شك… لا نقبل من ينقض لنا ما قاله أسلافنا، حتّى بدون تجربة، يا الهي… أوشك الأمر أن يكون اعتقاد، قد أصبح ضمن العقيـــدة الّتي لا جدال فيها.
الحمد لله أنّه اختصر لنا السنين الّتي كانت لازمة للبحث والتقصي والتخبط بين اليقين والشك إذ ولدنا مسلمين، مع ذلك لازلنا مقصّرين، مازلنا لا نبحث في تفاصيل ديننا مكتفيين بما ورثناه من السابقين، دون الإدراك بأنّه قد يكون مملوء بالثغرات والأخطاء (أخطاء إفتعلوها هم في دينهم) التي لم يكن لهم بها علم أو تغاضوا النظر عنها، هذه الأفكار بثغراتها وأخطائها تطوّرت في أحضاننا وتبنّيناها بكل قوة، لأنّها تمثل العرف أو إرث الأجداد، ولأنّنا تكتل بشري يقدس كل ما هو قديم وتقليدي ومتوارث، متناسين أنّها قد تفتقد للسند وقد تتنافى مع المنطق، والحقيقة المُرّة أنها هي من أفسدت لنا ديننا وأخّرت أمتنا وخرّبت بيوت أغلبنا.

في أحد الليالي كنا نجلس في بيت أحد الأصدقاء، رحنا نتحدث بعد ان أتحفنا بإبريق شاي مزين بحبات “مقروط”، وبينما نحن نتساءل عن أحوال بعضنا إذ بشخص كان جاراً لصديقي، بدا لي طيبا خلوقا، يقول متأثراً: “خطبت وبعد القبول بأيام قدّمتُ المهر وعقدت القران، ثمّ بعد أن حدّدنا موعد الزفاف، تفاجأت بخبر إلغاء موعد العرس من قِبل أهلي، تساءلت عن السبب فأخبرتني أمّي أن عجوزًا من مدينة بعيدة هي خالة أمّ أبي توفيت، وأنا الّذي لم أعرف هذه المسكينة ولا رأيتها في حياتي، فقُرِّر تأجيل العرس أربعين يوماً، من شدة وقع هذا الخبر تملّكني الصمت، الشيئ الوحيد الذي استطعت فعله، ثم اقترب اليوم المنتظر مرة أخرى، وإذا بخبر وفاة آخر يُزف إليّ بدل أن تزف زوجتي، قيل أنّه أيضا من العائلة الكبيرة القريبة البعيدة، فأمسكت برأسي وكأنّني أعيش الحدث من جديد وكأن صاعقة نزلت عليّ، قلت في نفسي بعد تهدئتها لا بأس سأنتظر أربعين يوما آخرين، بدأت أعد الأيام والليالي وأدعو الله أن لا يتوفى أحد حتّى أزف عروسي وأغلق باب غرفتي، عندها فليمت الجميع ولن أبالي… وعندما اقترب موعد زفافي حدث الأمر نفسه، حتّى ظننتُ أنّني منحوس فبكيت على حظي، ثم فكّرت… أيعقل أن يكون هذا الأمر من ديننا أيعقل هذا؟ بحثت ولم اجد له اسنادًا ولا حديثًا ولا آية، أخبرت والديّ أن هذا ليس في الدين منه شيئ، وإنّما اعتقاد جاهل فلم يصغيا اليّ، فاذا بي أنا الّذي زينت غرفتي، أجبرُ أن أدخُل بزوجتي في فندق رخيس الثمن، بالي الجدران، تارة نبكي وتارة نضحك… ليلة عمري عشتها جحيمًا…”
تخيلت حال غضبه يقول سنلقّنهم درسًا، إمّا أن يتخلّصوا من جهلهم وإمّا أن يتبرّؤوا منّا، إنّها السموم القاتلة… إنّه دين الأهواء…
في اعتقادي أنّ الله سيحاسبنا على نعمة العقل، سيقول مخاطباً عبده: هل فكّرت، هل تدبّرت، هل بحثت وقرأت؟ هل اكتفيت بأقوال الأوائل؟ ألم أخلقكم سواسية في كل شيء حتى في العقل؟

ختاما أود أن أنبّه أنّ علينا أن نكون من أصحاب العقول ذوي النسق المفتوح… عقولنا ليست ذاكرة لكمبيوتر أو هاتف ذكي… علينا أن نغربل ولا نأخذ إلّا الصالح، استمع واقرأ لكلّ الأطراف وكلّ الأفكار، سيبدو لك الأمر هيّنا وسلسا لأن ما ستتوصل له في النهاية لم يصل له كلا الطرفين المتجاذبين المتقاتلين… إنّها الحقيقة الّتي ستفوز بها حين تتجرّد من أفكارك السابقة ومن أهوائك وتعصبك… ستتّضح الأمور كشمس تسطع بغتة، تطيب النفس وتتفتّح عيناك، ستبتسم… صدّقني… ستبتسم لأنّك ستحس نفسك الأكثر حظًا، وأنت تملك جزءًا من الحقيقة.

 

تعليقات الفايسبوك