“عدوى القراءة” كلّنا فيروسات

“عدوى القراءة” كلّنا فيروسات

"عدوى القراءة" كلّنا فيروسات"عدوى القراءة" كلّنا فيروسات

بين كل العوالم المتفرقة والحواس المتعدّدة، البعض منّا له عالمه الخاص مختلفا عن أغلب عوالم الآخرين، إنّه الشعور المثالي والراحة شبه المطلقة… تلك الدقائق والساعات التي نقضيها قرب رفيق يعني لنا أكثر من الصحبة والعشق وكل علاقات البشر وأرقى من مشاعرهم، القراءة… إحساس بالألفة وهدوء النفس، وهروب من اللحظة وصخبها إلى اللحظة الأخرى، فحين نعود من يوم شاق ملؤه التعب والسخافات المتناثرة المزعجة، نفر إلى كتاب يبعدنا عن واقعنا المرير أحايين تَقَرُّبنا منه، نتعلّق بقصص شخصيات لا تعرفنا ونعرفها جيّدا، ندرك خباياها كما كتبها لنا محدّثنا، ونغوص في أغوار أنفسها فنحزن لحزنها ونفرح لفرحها، ونغتاض حين يبالغ الكاتب في الإساءة إليها وإعاشتها أمرّ ما لا نطيقه، هي لحظة الخروج من روحنا إلى روحنا الثانية، حين يجبرنا الكاتب أن نشعر بانسانيتنا ويلومنا على جمود مشاعرنا التي لم تعد إلا خردة لا تصلح لشيء في غالب الأحيان…

هوس القراءة بالنسبة لي وللكثيرين تخطّى حدود الشغف الشخصي والمتعة المنحصرة بين أسطر الكتاب، ففي كثير من المرّات ألحظ نفسي قد اكتسبت دور الفيروس المعدي، لا تكتفي بعشق القراءة لذاتها بل تجعله يقرّ في أعين الآخرين لينتقل إلى نفوسهم وقلوبهم، حتى يتحصّن فيهم ويصبح جزءا لا تكتمل روعة الحياة دونه، ولا تطيب الأنفس بعيدا عنه، ففي حافلة النقل حين أتناول كتابي من محفظتي تهجم عليّ الأعين، بين نظرات إعجاب واستهزاء، فيحزّ في نفسي جهل الذين لا يعلمون ولا يعلمون أنّهم لا يعلمون، وتسعدني “عدوى القراءة” حين تنتقل سريعا إلى أطراف آخرين دون أيّ جهد مني، فأرى منهم من يتناول كتابا من حقيبته ليتصفح طيّاته، ومنهم من طالعته يبحث فلا يجد شيئا، لينتهي إلى هاتفه الجوال يقرأ شيئا من الكتب الإلكترونية المخزنة أو يفتح تطبيق القرآن الكريم على الأقل… يعجبني أولئك الذين إن ما أعجبهم شيء سارعوا إلى تقليده على قول المثل الجزائري “عاند وما تحسدش”، هؤلاء في أغلب الأحيان ينتمون إلى صنف الأشخاص الإيجابيين المتقبّلين للتغيير، أمّا غيرهم (الأقل إيجابية ورغبة في التغيير) فلهم عدوى أشد مفعولا تكاد لا تُقاوم على الإطلاق…

هذه العدوى القوية، تتعلق بمواقع التواصل الإجتماعي عن طريق طرح وجهات النظر المختلفة عما تحويه الكتب من مقتبسات شيّقة ونقد بنّاء لما يدور فيها من أحداث ومعارف، فتجعل المتصفح الذي لا يعلم عنها شيئا يشعر بقمة الفضول وأحيانا الذهول الّذي لا يقدر أن يقاومه، حينها لا يملك إلا أن يفتح الكتاب مجبرا تقوده الرغبة والفضول، ليناقش رفاقه ويشاركهم الحديث في المرة المقبلة، فكم من مرّة حدّثني صديق لي أنه قرأ رواية أو كتابا طرحتُه من قبل، فقط ليرضِيَ فضوله ويعرف عمّا أتحدث، ليقتنع في النهاية أن ذلك الكتاب يستحق الجلبة التي أُسعرت لأجله، أمّا أولئك الذين الذي يُرَّغبون في القراءة ولا يقتنعون بها، فأعتقد أن هذا المقال لا يسعني للحديث عنهم، لأنّهم أساسا لن يكونوا متواجدين هنا ليقرؤوا هذا المقال، ومع ذلك فهم جزء من هذا المجتمع… يمكنه أن يترك أثرا جسيما على غيره ويفسد رغبات الآخرين، فالأولى والأقدر على تغيير هذه الفئة الواسعة هم القراء الذين يدركون جيّدا الفائدة المرجوة من القراءة، فيحاول كل واحد جرف عدد من أصدقائه وأقاربه، وإن لم يقدر على ذلك فقد لا يستحق لقب القارئ الجيد الفعّال…

عدوى القراءة ليست مجرد مقال يطرح على مجلة، أو أسطر تلج أذهان من حمّلتهم المسؤولية من قراء، هي كل أولئك الناشطين لرفع الوعي والتحسيس بأهمية القراءة من صفحات على مواقع التواصل الإجتماعي وأشخاص وشخصيات… مع غياب شبه تام لوسائل الإعلام السمعية البصرية في إحداث ثورة عدوى! هذه العدوى إن آتت أكلها فهي أقدر من كل العلوم والأسلحة والاستراتجيات على جعلنا شيئا يستحق الذكر، قادرا على منافسة الطامحين ومجاراتهم. وهي الوقود الفعّال منقطع النظير الذي يلهب الكتّاب ليقدموا أكثر ويجودوا على القارئ المهتم ولو أحرقوا أناملهم لأجله!

ملاحظة: شكر خاص لـ: “صفحة الجزائر تقرأـ وصفحة قرأت لك (على الفايسبوك)”
إن كنت فيروسا معديا فشارك هذا المقال مع أصدقائك… قد تصيبهم العدوى!

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. Avatar

    بشرى آسية

    ابدا لم اجد تعليق مناسب لهذا الطرح الرائع فوق الوصف، لكن اتمنى أن تنتشر فعلاً عدوى القراءة لأبعد مدى وأن تكون نابعة من داخل النفس أحسن من كونها مجرد تقليد للشخص ما.

  2. عبد الجبار دبوشة

    شكرا جزيلا على مرورك العطر بشرى ^^

‎التليقات مغلقة‫.‬