أنا مالالا، وهذه حكايتي…

أنا مالالا، وهذه حكايتي…

- ‎فيقراءة وكتابة
2283
2

أنا مالالا، وهذه حكايتي..
لا أدري لماذا أجد الكتابة عن (مالالا) صعبة هكذا؟، فقد كتبت الكثير من المقدمات، لكن ما لبثت أن محوتها! لأنّ (مالالا) إنسان يصعب فهمه، بل إنسان يصعب اختصاره، فحين تقرأ سيرتها ستغرق في عوالم لا حدّ لها، ولن تصدّق أبدا أن هذه الفتاة التي تحوك لك حكاية كفاحها لا تتجاوز من العمر سبعة عشر عاما. فلم أشعر بي إلّا وأنا أقع في غرام كتابها (أنا مالالا) –يمكنك شراء الكتاب من هنا-، وأروي فضولي من تفاصيل قد يراها الآخرون تافهة وعديمة المعنى، إلّا أن تلك الهوامش والحكايا الجانبية هي التي صنعت بحق (مالالا) البطلة. الشهرة الواسعة التي حظيت بها (مالالا) تعود إلى أمرين: تعرضها لهجوم مسلح من طرف قوات طالبان وهي لم تتجاوز الخامسة عشر عاما، و كونها أصغر متحصلة على جائزة نوبل للسلام عام 2014. ما عزا بالبعض أن يعتبر كفاحها (إشتهاءً للشهرة)، (ورغبة في الحياة المترفة)، خاصة بعد استقرارها-كنازحة- بمدينة برمنغهام الإنجليزية، دون أن يدرك هؤلاء المشككون ما فقدته (مالالا) الإنسانة، لتصبح (مالالا) الرمز، فكما قالت (و ليس حرمان المرء من وطنه الذي يحبه بالأمر الهيّن).
من هي مالالا؟
مالالا يوسفزاي من مواليد 12 جويلية 1997 من والدين باكستانيين، نشأت في وادي سوات بإقليم بختونخوا الباكستاني، بدأت مسيرتها النضالية لأول مرة وعمرها يناهز الإثني عشر عاما من خلال مدونتها على موقع البي بي سي تحت إسم جول مكاي، إذ كانت تحكي عن الصعوبات التي تواجهها الفتيات من أجل التعليم في ظل حكم طالبان. وفي أكتوبر 2012 تعرضت لهجوم مسلح وهي في طريق عودتها من المدرسة وأصيبت على إثرها إصابات بالغة ما جعل شفاءها وعودتها للحياة أمرا أقرب للمعجزة.
وكان هذا الحادث بمثابة قفزة مهمة في حياة مالالا، إذ قادها لأن تلقي خطبة في قاعة الأمم المتحدة بنيويورك في عيد ميلادها السادس عشر أمام قادة العالم، كما أنها استُضيفت من طرف الرئيس الأمريكي باراك أوباما وزوجته في البيت الأبيض، و تلقت دعوة من ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية لزيارة قصر بانكهام.
نالت مالالا عدة جوائز عالمية نظيرا لمسيرتها الشجاعة من أجل السلام والتنديد بحق الفتيات في التعليم، منها جائزة السلام الوطني في باكستان عام 2011، وجائزة السلام الدولية عام 2013، كما تعتبر أصغر متحصلة على جائزة نوبل للسلام سنة 2014.
قد يستغرب البعض عن السر الذي قاد طفلة صغيرة من قرية نائية في باكستان إلى ذروة المجد والشهرة، كما قد يشكك البعض في خلفيتها ونواياها، لكن إزاحة الستار عن بعض مناطق الظل في حياة مالالا قد يفسر الهالة التي أحاطت بها.
أصل تسمية مالالا
سُميت مالالا بهذا الإسم تيمنا ببطلة الأفغان العظيمة (مالالاي مايواند) التي ماتت في ميدان الشرف في معركة خاضها قومها ضد الإحتلال البريطاني، إذ ألهمت شجاعتها المحاربين الأفغان فقلبوا المعركة لصالحهم وألحقوا بالجيش البريطاني خسائر جمّة. وقد اعتاد والد (مالالا) في صغرها أن يحكي لها قصتها، فكانت تلك أحسن طريقة يلقن بها الوالد حس الشجاعة والبطولة لابنته لتجعلها فيما بعد قدوتها الأولى في الكفاح.
لماذا ضياء الدين يوسفزاي وتور بكاي ثنائي سعيد؟
إشتهر البشتون –القبيلة التي تنحدر منها مالالا- بحفاظهم الشديد عن الشرف، واقترن هذا بسلوكيات خاطئة أدت إلى هضم حقوق المرأة، وإساءة معاملتها، و ذلك ما ساهم في انتشار فكر طالبان في المنطقة، وعدم تصدي السكان لهم حين قاموا بتفجير المدارس التي تتعلم فيها الفتيات، كون الإعتقاد السائد عند النّاس آنذاك أن الفتاة يجب أن تمكث في البيت، لكن على خلاف ذلك شكّل والدا مالالا زوجا إستثنائيا من حيث التكامل والإنسجام اللّذان تمتعا به، فرغم أن والدة مالالا لم تكن متعلّمة شأنها شأن كل نساء المنطقة إلّا أنها كانت تدعم مشروع زوجها النضالي وتهتم بتعليم أبنائها رغم المخاطر التي أحاطت بهم آنذاك، ذلك راجع لما كانت تتلقاه من معاملة حسنة واحترام من طرف زوجها، والّذي رغم أنه كان أعلى منها ثقافة إلّا أنّه كان يستشيرها في الكثير من الأمور، ويطلب منها النصح والمعونة رغم أن ذلك كان علامة ضعف في الثقافة البشتونية، إلّا أن مالالا قالت: “عندما أنظر إلى أبوي أراهما سعيدين وكثيري الضحك وعندما ينظر الناس إلينا يقولون إنّنا أسرة سعيدة”.
اليد التي دفعت مالالا
يقول الرسول –صلى الله عليه وسلم-:” يولد المولود على الفطرة وأبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه”، يختصر هذا الحديث الكثير من النظريات العلمية والفلسفية حول الدور الذي يلعبه الوالدان في توجهات أبنائهما، حيث يظهر هذا جليا في شخصية مالالا الطفلة إذ أنّها منذ البدء تبنّت قضية والدها البسيط الّذي كان غاية حلمه إنشاء مدرسة في وادي سوات يتلقى فيها الأطفال تعليما راقيا وعادلا، فتخصص مالالا الفصول الأولى من كتابها لتحكي عن والدها المكافح وعن مسيرته النضالية في تعليمه ثم إنشاء مشروعه الخاص وعن الصعوبات الّتي تعثر بها، وهو ما انطبع بشخصية ابنته فيما بعد، فكما كان يخبرها دائما أن البطولة تمشي في عروق البشتون (يقصد قومها).
كانت مالالا تنشط بدفع من والدها ومباركة منه فقد كان يقول لها دائما: سوف أدافع عن حريتك مالالا، استمري في أحلامك، حتى أنّ الكثير من الناس وضعوا على عاتقه وزر تعرضها للاعتداء المسلّح واتّهموه بوضعها تحت الأضواء دائما، حتى أنّه سأل زوجته:” بكاي، أصدقيني القول، ما رأيك؟، هل الذنب ذنبي؟”، فأجابته:” لا حبيبي، إنّك لم ترسل مالالا كي تسرق أو تقتل أو تقترف الجرائم. كانت تناضل لأجل قضية شريفة”. هكذا كانت إجابة أمّ تخترق جمجمة إبنتها الطفلة رصاصة، وتتأرجح بين الحياة والموت.
فن تصحيح الأخطاء
في كتابها، تحكي مالالا عن الكثير من التفاصيل التي تكشف من خلالها النمط المعيشي الذي اعتمده والداها في تنشئتها مما ساهم في تطوير شخصيتها بالشكل الصحيح، ولعلّ من الطرائف التي استوقفتني هو ذكر مالالا بأنّها سرقت اللوز مرة من بائع جوال بدافع الإشتهاء كون أهلها بسطاء قاصرين عن توفيره لها، ثم سرقت مرة أخرى إنتقاما من صديقتها التي اعتدت عليها أوّلا. الملفت للإنتباه هو أنّ هذه الشخصية البارزة كان بها من الأخطاء ما هو شائع ومنتشر في أطفالنا اليوم، لكن طريقة التعامل مع هذه الأخطاء من طرف والديها هو الّذي غير طريقة تفكيرها على نحو أكثر إيجابا، إذ نبّهها والدها أن ما تفعله من أخطاء قد سبق وأن فعله العظماء على مر العصور، وأن الزلل متأصل في النفس البشرية وأن المهم أن يتعلم الإنسان من خطئه، قالت مالالا أنّها لم تكذب ولم تسرق منذ ذلك اليوم وأنّها تستغفر الله لذنوبها تلك في كل صلاة.
مالالا العلمانية: زيف التهمة
قبيل تعرض مالالا لإطلاق النار تلقت عدة تهديدات كونها وُضِعت في القائمة السوداء لطالبان باعتبارها علمانية وخارجة عن أصول الدين، رغم أن ما كانت تنشط لأجله لم يكن سوى إحلال السلام و حق الفتيات في التعليم، والمفارقة أن الكثير من الشواهد في سيرة مالالا تُظهر وبشدة تمسكها بالتعاليم الإسلامية، وعمق العقيدة التي تمتعت بها رغم حداثة سنّها، ونذكرُ على سبيل المثال لا الحصر رحلتَها إلى مكة المكرمة ودعاءَها هناك لأجل السلام كما لم تخف دهشتها من النفايات التي تغمر الأماكن المقدسة والتي مرّ بها الرسول –صلى الله عليه وسلم-، تقول مالالا أن الناس ربّما نسوا الحديث القائل:”الطهور شطر الإيمان”. موقف آخر هزّني فعلا، تحكي فيه مالالا أنّها نذرت أن تصلّي لله مئة ركعة من النوافل إذا ازداد طولها، كونه توقف وهي في الثالثة عشر من عمرها، تضيف بعد تعرضها لإطلاق النار وتكاثف العالم من أجل إنقاذها وإعادتها للحياة مرة أخرى، ثم اكتسابها لتعاطف الجماهير وتلقيها للتكريمات من مختلف الدول، واعتلائها لمنصّة الأمم المتحدة وإلقائها للكلمة الّتي ظلّت حبيسة حلقها طويلا، فكّرت أن الله لم يزد طولها بوصة أو بوصتين لكنّه رفعها لتبلغ عنان السّماء فأدّت المئة ركعة التي نذرت بها. الشاهدان من بين الشواهد الكثيرة في الكتاب لامسا شغاف قلبي، كونهما كشفا عن زيف التهمة التي لُفِّقَت لمالالا، وكانت الدافع لقتلها أوّلا والتشكيك في نواياها بعد ذلك.
كم من طالبان وكم من مالالا في مجتمعاتنا؟
تعتبر طالبان كقوة قمعية ترهيبية السبب وراء ظهور مالالا كرمز نضالي تبنى قضية معاكسة، ورغم المغالطات التي جاءت بها طالبان لكنّنا نجد الأكثرية قد تبنت هذا التيار ودعمته، بيد أن القاسم المشترك لهؤلاء تمثل في نزعة الخوف من مخالفة الدين والتقاليد، -والّتي جاءت طالبان على زعمهم لترسيخها- من قبل البعض، أو من الآلة التدميرية المتمثلة في سفك الدماء، وتدمير المدارس وقتل الأبرياء من البعض الآخر، ولمّا تحرّرت مالالا من هذا الخوف نجدها قد وقفت في وجه هذه القوة رغم كونها محض طفلة صغيرة، لهذا دعونا نسأل: كم من طالبان وكم من مالالا في مجتمعاتنا؟
نجد طالبان كنموذج موجود في مجتمعاتنا بكثرة، لكن بأشكال وقوالب مختلفة، مثل سلطات الضبط التي تمارس الرقابة على التيارات الفكرية، ورجال الدين الّذين يفتون بتكفير كل من يحاول أن يفهم الدين أو يقترب من مناطق الشك، والفئة من الرجال التي ترى حمل المرأة لشيء سوى آنية المطبخ عيبا ينبغي الاستتار عليه…. وغير ذلك كثير، ومبدأ هؤلاء دحض كل صوت مخالف بحجة إخماد الفتنة، وحقن الدماء من خلال سفك المزيد منها، لكن التصدي لتلك النماذج مرهون بقابلية تبنّي كل واحد منّا لعقيدة مالالا كرمز للشجاعة والكفاح.

شراء كتاب أنا ملالا 

في الختام
إن كنت أن أشكر أحدا قبل مالالا فأنا أزف تحية قلبية لوالدها، الذي اختصر لها سنين الشك والحيرة بدفعة منه لطريق لم تكن لتندم على السير فيه بأية حال، سواء قدّر الله لها جواره، أو مدّ لها بعمرها أجلا جديدا لتصبح ملهما للجماهير حول العالم..
المصادر: أنا مالالا، مالالا يوسفزاي بالاشتراك مع كريستينا لامب، ترجمة أنور شامي، دار سما للنشر، 2014.

تعليقات الفايسبوك

2 Comments

  1. عبد الجبار دبوشة

    من أفضل المواضيع التي تلقيتها ونشرت بكل فخر وسعادة، موضوع محكم، متقن، ومتعوب عليه، يظهر احترافية الكاتبة الأدبية، وحسّها الإنساني العالي، شكرا جزيلا مريم.

  2. Avatar

    مريم يوسفي

    شكرا لك هذا من جمال ذائقتك….

‎التليقات مغلقة‫.‬