متلازمة الحرية والمسؤولية

متلازمة الحرية والمسؤولية

- ‎فيفكر وحضارة
1307
التعليقات على متلازمة الحرية والمسؤولية مغلقة
@مجلة فكرة - IDEA Magazine

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وكرّمه على جميع مخلوقاته ووهب له من الطاقات والمؤهلات ما يمكّنه من تحقيق الغاية من خلقه، بل وشرّع له من الشرائع والنظم والقوانين ما تستقيم به حياته ويتّزن به سير الأمور من حوله، ولكن الله سبحانه لم يلزمه بها بل ترك له الحرية في الاختيار بينها وبين أنظمة وقوانين وضعية ابتكرها الإنسان لنفسه، فإن اختار شرع الله نجا وأفلح، مع أنّه يمكنه أن يضفّ من الشرائع ما يتناسب مع حاله في مختلف الأزمنة والعصور، ما لم يتصادم ذلك مع “الدِّين الإسلامي” وهذه قمة المرونة في التشريع الإسلامي، وإن اختار غير ذلك هلك وخاب وخسر لأن الدِّين عند الله الإسلام، وبعد معرفة الحقيقة يكون للإنسان الخيار وهذه قمة الحرية في أن يختار ما يراه مناسبا له أكثر ولكن ليدرك حقيقة أخرى وهي أنّ عليه تحمل مسؤولية خياره، وهي المتلازمة الثابتة “الحرية والمسؤولية”.

إن الحرية والمسؤولية أمران متلازمان يكونان معا في كل حالات الإنسان ولا يجب التفرقة بينهما أبدا، وطالما اختلف في هذا الموضوع المفكرون والعلماء والفلاسفة واختاروا أحد الجانبين، ومنهم من اختار المتلازمة وأنا في هذا المقام أضمّ صوتي إلى الفئة الثالثة التي اختارت الربط بينهما، وأنّهما مفهومان متّى وجد أحدهما وجد الآخر بالضرورة لأنّه من غير الممكن أن يكون الإنسان حرا مطلقا ليس عليه مسؤولية ولا أن يكون مسؤولا فقط ليس له حرية والحرية قيّمة مقيّدة وليست مطلقة كالعدل، ولندرك جميعا حقيقة مفادها أن الحرية من غير مسؤولية تصبح فوضى، والمسؤولية من غير حرية تصبح كبتا وجبرا ومن هنا فإن حرية المرء تنتهي عند بداية حريات الآخرين، وأن الإنسان في نطاق حريته يجب أن يدرك أنه مسؤول ومحاسب على أفعاله.

وتكريم الله للإنسان لم يكن كذلك إلّا لأنّ الإنسان وُهب هذه الخاصية دون غيره من المخلوقات الأخرى، فجُعل بين واحدة من المرتبتين إمّا الملائكية وإمّا الحيوانية، ليختار لنفسه ما يريد، شَرْع الله مع ما فيه من السعة والمرونة أو شرائع ونظم ضلّت عن الحق وتاهت في دروب الحياة المظلمة، وفي كل الحالات يبقى الإنسان مسؤولا عن نتائج اختياره وقراره، والحقيقة الجلية التي لا يمكن لأحد إنكارها هي أنّه لا يكون الإنسان إنسانا بحق إلا إذا تمتع بحريته كاملة غير منقوصة في كل المجالات.

انظروا إلى كل الأمم المتحضّرة اليوم وما بلغته من تقدم ، هل كان ذلك من غير احترام للحريات في مختلف نواحي الحياة، بل وانظروا إلى العرب كيف كانوا أحطّ أمّة لمّا كانوا تحت جبر الجاهلية العمياء وكيف صاروا بعد أن أطلق الإسلام حريتهم ونظمها في متلازمة الحرية والمسؤولية، صاروا حكّام العالم في مدة لا تساوي في حساب الزمن شيئا.

فالحرية إذا منطلق كل إبداع وتطور وازدهار ولكنها ليست الحرية اللامحدودة الّتي تتحول إلى خراب ودمار وفوضى، إنّها الحرية المقيدة بحدود حريات الآخرين الحرية المسؤولة التي تبني ولا تهدم، تعمر ولا تخرب، وتبعث الحياة في كل أوساط المعمورة.

والحرية المسؤولة يجب أن تكفل لكل إنسان يحيا على بسيطة الكوكب الأزرق مهما كان لونه أو جنسه أو دينه أو وطنه. فتوضع القوانين والدساتير الملزمة لكل الناس حكاما ومحكومين باحترام هذا الأمر وأنّه حق لكل إنسان لا يجب التعدي عليه، والأمم المتحضرة التي فهمت هذا الأمر وفقهته انطلقت وأحرزت تقدما مبهرا في كل نواحي الحياة، ونقيضتها المتخلفة المستبدة التي عميت أبصارها وغلفت قلوبها والتي كبتت حرية الناس… انظروا إلى ما وصلت إليه والأمثلة والشواهد كثيرة يكفي أن تنظر نظرة سطحية للدول وشؤونها لمعرفتها.

في مناخ احترام الحريات وحده ينطلق إبداع الإنسان وتميّزه، لأنّه يدرك أنّه ما من سقف يحد تطوره ونموه وازدهاره، فيسير على الأرض بخطوات ثابتة نحو النجاح والتفوق، ومتّى ما كبتت هذه الحرية تراجع مستوى كل ما ذكر سابقا، بل وتدهورت الأوضاع لتبلغ حد الانفجار… انفجار الإنسان في وجه من يحرمه حريته، فسبب معظم الثورات التي حصلت عبر التاريخ هو الكبت الشديد الّذي تتعرض له الشعوب، وهذا الانفجار قد تكون له مضاعفات خطيرة في سيرورة التاريخ الإنسانيّ برمته.

جدليّة الحرية والمسؤولية تبقى قائمة وموجودة ما دام الإنسان موجودا، فلا حرية من دون مسؤولية ولا مسؤولية من دون حرية، وكل طرح يخالف هذا الطرح ويكتفي بإحداهما دون الأخرى هو منطق عقيم وفكر سقيم يجب على كل إنسان عاقل أن يتجنبه، وأن ينأى بنفسه عن هذه المستنقعات الفكرية الضحلة القذرة الّتي تخرّب ولا تعمّر وتهدّم ولا تبني .

محمد العياشي

تعليقات الفايسبوك