ماذا فعلت مواقع التواصل الاجتماعي بمشاعرنا؟

ماذا فعلت مواقع التواصل الاجتماعي بمشاعرنا؟

- ‎فيمجتمع وأخلاق
8205
9

ماذا فعلت مواقع التواصل الاجتماعي بمشاعرنا؟

  في ساعة متأخرة من الليل أنت ما زلت مستيقظاً، أمامك حاسبك الخاص، عيناكَ مفتوحتان على اتساعهما وابتسامة عريضة تتوسطُ وجنتيك، فجأة تجدُ والدك استيقظ لتوه، ينظرُ إليك بضجر ثم يصرخ في وجهك:
-ألم تنم بعد؟
ينصرف وهو يشتم “تارة بالمجنون وتارة بالتافه”، وبعضهم مثل أبي بعد أن ينهي كل ما في حوزته من شتائم، يرجع ليقول لي:
-من الغد لن تكون هنالك انترنت.

إنّه التهديد الأكثر رعباً في العالم! 

ماذا حقاً لو لم تعد هنالك إنترنت ماذا سيحل برسائلنا وصورنا، أشخاص لا سبيل لنا بوصلهم إلا من خلال هذا الاختراع العجيب، كيف سنصبح نحن بدونها؟
من دون قصد، كنا ننوي فقط قتل أوقات فراغنا والترفيه عن أنفسنا قليلاً، فتحنا أجهزتنا الإلكترونية وغرقنا في عالم آخر لا يعلم به آباؤنا وأمهاتنا الذين اكتفوا بشاشة التلفاز تلك.
يقول أستاذي في مقياس تكنولوجيا الاتصال والإعلام الجديد : “حين تنوي دخول الفيسبوك مثلاً، أنت لا تفتح حساباً فقط، إنّها حياة أخرى تغلق عليكم أبوابها بإحكام فاحذروا أن تضيّعوا المفاتيح”.
كنتُ أتساءل .. لماذا يحذرنا من عالم افتراضي لا أظنُّه سيغيرُ فينا شيئا عدا كونه يجعل دائرة علاقاتنا تتوسع، كان ذلك قبل أن تمرّ عليَّ أربع سنوات كاملة في ذلك العالم، حينما قررتُ أن أغلق حسابي على الفيسبوك نهائيا، سرعان ما وجدتُ نفسي أفتح آخر ولم يمضي على اغلاق الأول سوى أسبوعين.
بالفعل لم يخطئ والدي حين قال أنّنا أصبحنا عبيداً للتكنولوجيا، لكن ليته يدرك أن الأمر تجاوز مجرد الشغف أو الإدمان إنّنا حين نكتبُ كلمات مرورنا السرية ونضغط على تسجيل الدخول، فإنّ كلّ ما وصلت إليه التكنولوجيا من تطور يقف جانباً كي يشاهد أعظم ضحاياه.. القلوب وهي تصغرُ وتكبر، أحيانا تزهر وأحيانا أخرى تصبح مثل شظية من نار.
تحترقُ في صمت، تحت الغطاء ليلاً، بينما ينام الجميع. ألف قصة وقصة حدثت وانتهت في مربعات الدردشة، حديثُ سنة أو أكثر حذف في ثانية.عالم يتغذى من أعمارنا مقابل كومة من الفرح الكاذب .
يا لسذاجتنا، من كان يتوقع حين اقتنينا حواسيبنا وهواتفنا لأول مرة أننا سنعيش قصص حبٍ بواسطتها، وهل كان سيقتنع الّذين استمروا في علاقاتهم حتّى الزواج لو أخبرهم البائع أنّهم سيجدون انصافهم الأخرى هنا؟

انّها فكرة مغرية أن يعلق أحدهم على واجهة محلّه لافتةً كتب فيها ” اختر جهازاً يناسب أوّل موعد روحي مع شريك حياتك” ماذا يمكن أن يحصل أكثر من هذا؟ أن تجد مزاجك مرهونا باسم أحدهم كتبت بجانبه كلمة متصل، كيف يمكن أن نقتصد في أحاديثنا مع أهلنا والمحيطين بنا، بينما نحمل أجهزتنا ونثرثرُ مع شخصٍ آخر كتابياً.

(ارفع عينيك) إنّه فديو رائع شاهدته منذ مدة يتكلم عن مدى تعلقنا بعالم غير حقيقي تعلقاً مبالغاً فيه، نستيقظ يومياً لنرى واقعاً مشوشًا، مليئاً بالتناقضات، أشخاصاً غير لطيفين بما فيه الكفاية، غير مبالين بك وبلحظاتك الجميلة الّتي فضّلت أن تشاركها مع آخرين ينهالون عليك بالمجاملات, والردود والابتسامات، حياة مملّة تهرب منها عمداً نحو حياة أخرى، حتى ولو كانت مجرد أوامر واستجابات لا تتعدى شاشة صغيرة، فهي أفضل.
كلما خلدنا إلى النوم شعرنا بالوحدة الموحشة، كم هو مخيف أن يملك المرء آلاف الأصدقاء الافتراضيين ويجد نفسه وحيدًا حينما يطفئُ تلك الآلة.

-من يستطيع أن يرفع عينيه اذًا ليرى كل هذا البؤس ؟



ولكن الحقيقة ” أن أجهزة ومواقع التواصل الاجتماعي تعني أيّ شيئ عدا التواصل” إنّها خطة لمجموعة من الأوغاد ليصنعوا منّا أشباحا بمشاعر هشّة، بشعيين للغاية بسبب تلك الهالات السوداء المحيطة بأعينهم من شدة السهر.
أطفئ جهازك واذهب لتقبيل يد أمّك بدلاً من أن تكتب عنها تغريدة تأخذ أكثر من مئتي إعجاب، احتفل مع صديقك بعيد ميلاده في محلٍ ما، أحسن من تهنئة تكتبها في حائطه، وأخيراً تلك الّتي تحادثها ليلاً قم الآن واقصد منزل والدها، وان اقتضى الأمر بع حاسوبك واشتر لها بثمنه خاتما، فلا أسوأ من أن يبقى الحبُ إلكترونياً.
ولأنّنا نتحدث عن هوس التواصل… فلا تنس أن تشارك هذا الموضوع مع أصدقائك على مواقع التواصل الإجتماعي…

تعليقات الفايسبوك

9 Comments

  1. Avatar

    موضوع في قمة الروعة… كم نحتاج للإبتعاد عن هذا العالم المخادع … كنّا رائعين بدون التكنولوجيا ،و الآن بسببها يفقد البعض كرامتهم ،و أخلاقهم … وتحط نفسيات البعض و يدمر كليا البعض ..و تنتهي الحياة مع كثرة التغيرات و الصدمات التي نتلقاها في كل حين في هذا العالم الافتراضي.. حقا عزيزتي صدقت، لقد أصبحنا عبيدا للمسمات تكنولوجيا .

    1. Avatar

      العفو شكرا لمرورك ^_^

  2. Avatar

    Hanane Menzel Ghraba

    من اجمل المقالات في المجلة

  3. Avatar

    المقال رائع لكن نحن مدركون لحقيقة اننا اصبحنا مدمنين فاين الحلول وكما تحدثتم نغلق حساب من هنا نفتح اخر من هنا اذن ايجاد حل جذري صعب وقد يحتاج وقت لذا اتمنى ان يكون هناك مقال لحلول تساعد على التخلص من الادمان او على الاقل تخفف التعلق بالتكنولوجيا و بالتوفيق

    1. Avatar

      الحل الوحيد أنك تتوقفي عن فعل ذلك، الوقت هو العامل الاساسي هنا، اذا استطعتِ ايجاد شيئ تشغلين به وقتك تغاضيت عن الدخول لهذا العالم السخيف

  4. Avatar

    مقال رائع جعلني أبتسم في منتصف الليل و النوم لف حول عيناي الله يجازيك أختي قمة قمة

    1. Avatar

      شكرا عزيزتي ان شاء الله دائما مبتسمة

  5. عبد الجبار دبوشة

    كجواب على سؤالك “ماذا فعلت مواقع التواصل الإجتماعي بمشاعرنا؟”
    – جعلتها هشّة، كثير ما تخفق في إقحام العقل والرجاحة
    شكرا جزيلا على موضوعك الرائع بشرى.

‎التليقات مغلقة‫.‬