حقّ السؤال ومسايرة الشكوك!

حقّ السؤال ومسايرة الشكوك!

- ‎فيفكر وحضارة
2167
6
حقّ السؤال ومسايرة الشكوك!حقّ السؤال ومسايرة الشكوك!

مذ كنت صغيرة وأنا أرزخ تحت كومة من التّساؤلات والشّكوك حول كل شيء، فلا ترضيني النظرة النّمطية للأمور إذ أنّني أظلّ أبحث حولي حتّى أجدَ القِبْلَةَ التي أتولاّها على بيّنة، بيد أنّ أسئلتي كثيرا ما بُتِرَت في حلقِي تحت سوط مجتمع ينيخُ أفرادُه أنفسَهم لما ورثوه من أفكار أجدادهم ببصيرة عمياء.
لكنّني وبعد مرور سنوات من الصّراع معي، وتماما كما قالت الكاتبة الإيطالية سوزانا تامارو:” كان هناك شيء في داخلي يستمرّ بالتّمرد، كان هناك جزء يتمنى أن أحتفظ بكياني، بينما كان الجزء الآخر يريد أن يتأقلم مع العالم حتى يكون محبوبا، يالها من حرب قاسية!”، توصّلت إلى قناعة مفادها أن التّشكيك في الثّوابت، والطّعن في القناعات الرّاسخة هو الباب الواسع للإيمان، والمفتاح الصّحيح للعبودية الحقّة.
سيّدنا إبراهيم عليه السلام سأل ربّه: “رَبِّي أَرِنِي كَيْفَ تُحْيي المَوْتَى”، وهو النبي المرسل، فماذا أجاب حين سأله الله: “أَوَلَمْ تُومِنْ؟”، قال:”بَلَى، ولَكِن لِيَطْمَئِنّ قَلْبِي”، وقد عرف –عليه السلام-، أنّ طُمأنينة هذا القلب هو الباب المُفضي إلى حُسن الإيمان وكماله، وهذا لا يتحقّق إلا بفتح الباب الواسع للتّساؤل.
وباستقراء التاريخ نجد أن الكثير من الحقائق الكونية، والاكتشافات البشرية قد وقعت على عاتق أناس دفعوا ثمن اختلافهم، فنجد مثلا المغامر العربي عباس بن فرناس قد مات بعد أن سقط على قفاه في محاولة منه للطيران، لتكون هذه التجربة التي أودت بحياته الباب الذي ولج منه الإخوة (رايت) للتاريخ بعد اختراعهم أول آلة للطيران. ولعل إعدام غاليلو من قبل الكنيسة الكاثوليكية بعد فرضية كروية الأرض أكبر دليل على قدم الثقافة القمعية التي تمارسها المجتمعات ضد أدمغتها وعلمائها، والذين هم في الظاهر أناس خارجون عن القانون المجتمعي.
وبنظري تبقى رحلة الدكتور العبقري مصطفى محمود من أجمل الرحلات إلى الله، وإلى الإيمان الحقيقي، إذ أن بدايات هذا المفكر العملاق الذي أعطى جزيلا للفكر والفلسفة الإسلاميين، طفل مشاكس وعنيد يطرح الكثير من التساؤلات، ويشكك في الثوابت المطلقة، ليقضي شطرا كبيرا من حياته ملحدا، عبدا للمادة الملموسة، متخبطا بين الديانات والمذاهب، ليعود في الأخير إلى محراب التوحيد مُسلّما مستسلما، وقد سكنت روحه للطريق الصحيح إلى الله، واستقرت بوصلته على العقيدة السليمة، بعد تيه طويل لخصه في كتابه (رحلتي من الشك إلى الإيمان).
ما أردت قوله هو أن الإختلاف حق مكفول، والسؤال من مستلزمات هذا الحق وثوابته، إذا أردنا أن نصل بالعقل البشري إلى غايته التي خُلِقَ لأجلها، ونحرره من رواسب أجداده، ونفتح له باب التمذهب الحر (لِيَهْلَكَ مَنْ هَلَكَ عَلَى بَيّنَة ويَحْيا من حي عَنْ بَيّنَة).

تعليقات الفايسبوك

6 Comments

  1. Avatar

    رفيق بلحاج

    منشور رائع (y) (y) (y) أنا اكتب كتاب عن بهذا الموضوع …. المعرفة مرتبطة ارتباط وثيقا بالحرية كلما كان الانسان اكثر حرية كلما ازداد معرفته لانه بالفطرة سيريد الوصول الى الاشياء والتشكيك فيها قبل ان يقتنع بها وكل ضاقت حريته كلام اصبح رهينة الافكار الخاطئة يقلدها عن اجداده .. فقط ملاحظة غليلو لم يعدم انما اضطهد وابعد وحرقت كتبه على ما أظن … كوبرنيكوس هو الذي احرق … بتهمة الهرطقة .. شكرا لكي واصلي

  2. Avatar

    حنان منزل غرابة

    و انا اقرا المقال تذكرت قصة الدكتور مصطفى محمود لاجدك قد ذكرتها في الاخير …. 😀
    بارك الله فيك اختي على هذا المقال الجميل

  3. Avatar

    مريم يوسفي

    شكرا للجميع على الدعم

  4. Avatar

    عبد الحميد

    لولا الشك لما كانت الفرضية فالتجربة فالنظرية لكن الشك في بعض الثوابت قد تكون له نتائج عكسية و يكون مطية لأصحاب النوايا السيئة و الأمثلة على ذالك كثيرة

  5. ‎تنبيهات ‫:‬ الكون: ماذا قبله؟ - تحليل علمي فلسفي

  6. ‎تنبيهات ‫:‬ خرافات باسم العلم | أشهر 7 اعتقادات خاطئة نتداولها باستمرار

‎التليقات مغلقة‫.‬