الكتابة تساقط قطع الروح والتصاق الحروف

الكتابة تساقط قطع الروح والتصاق الحروف

- ‎فيمجتمع وأخلاق
2582
7
الكتابة تساقط قطع الروح والتصاق الحروفالكتابة تساقط قطع الروح والتصاق الحروف

على سبيل الكتابة
تقول أمّي: كي لا يصدأ قلبُكِ وعقلك تعلّمي كيف تترجمين أفكارك، مشاعرك، الأسئلة التي تدور في رأسك وأجوبتها المبدئية إلى نصوص ومقالات.
إنّ الكتابة يا ابنتي قوتُ الّذين ولدوا في قمة الخيال مثلنا.
أمّي امرأة ولدت وفي يدها قلم، لكنّهم أقنعوها بعدما كبُرت أن ملعقة الطهي أفضل، قالت أنّها اقتنعت وفي كتاباتها على دفتر كان لوصفات حلويات تردّدت كلمة (لا) ألف مرة.
هل كنت تعلم أيّها الإنسان البدائي أنّ خربشاتك على الحيطان ستصبح لأمّي سنةّ مهجورة ومحرّمة، وللبعض مصدراً للقمة العيش، وللبعض أسلوباً للتحاور والرقيّ، وللبعض الآخر شغفاً تحول مع مرور الوقت إلى هوس، ولمثلي كل شيء.
بعضهم يكتبُ كي يتخلص من القمامة الموجودة داخله ولكي لا يتعفن جسده كما قال أحمد يامي، والبعض لكي يعترف بما لا يستطيع قوله جهراً كما تزعم أحلام مستغانمي حين قالت أنّ “الكتابة اعتراف صامت”، وهي لصديقة غير مقربة نافذة تطلّ بها على داخلها، تقول : “إنّني كلما أكتب أحسُّ كأنمّا قطع من روحي تتساقط بينما تلتصق الحروف وتتلاحم.”
طالما أردت سؤالها: هل كان للحبّ دور في نمو ملكة الكتابة لديها، لكني أتراجع عن توجيه الأسئلة الخصوصيّة للأصدقاء الّذين تجمعني بهم علاقات سطحية، أجيبُ نفسي نيابة عنها: أجل حدث وأن كان الحبُّ الدافع الأقوى للكتابة وخلفَّ مئات الشعراء، ثم قتلهم كلهم وجثم ضاحكا بين السطور.
– أتفعلها اللغة؟
تتآمر مع الظروف ضدّنا، ونحن في عزِّ الوجع، في الحبّ في الخوف وفي الرجاء، تمنحنا قربانا لآلهة أزليّة تسكن سرائر ضحاياها حتى يجنّوا أو تتوفاهم المنية.
فلماذا إذن ما نزال نحبّها بعمق؟
لماذا ما زلتِ قربانا مخلصاً لها؟ أسأل نفسي وأجيب:
أنا أكتبُ كي أضيف عددا آخر لقائمة المهمشين في بلدي، الذين يحتفل الناس بميلادهم آجلاً عندما يغادرون الحياة ويتركون خلفهم كتاباً واحداً وآلاف المسودات، تبكي الزوجات والأمهات حين قراءتها أمام شاشة التلفاز، لتركض إليهم دور الثقافة وبعض الجمعيات برعاية المثل الشعبي القائل” كي كان حيّ مشتاق تمرة، وكي مات علقولو عرجون” .
اضافة إلى هذا فأنا أكتب برّا بوالدتي التي خافت أن يصدأ قلبي.
خافت أن يصير مثل طناجر الطبخ، ما أسوأ أن تتحول كاتبة إلى طاهية، لن تتقن الطهو حتى تنسى كيف تحمل القلم هكذا تقول القاعدة وهكذا تبدو والدتي، لا سبيل أن تظفر بواحدة دون أن تتخلى عن الأخرى، لذلك كنتُ دائما أفضل أن تفوح مني رائحة الحبر بدل رائحة الأكل.
ما أبشع طبقًا أعدته امرأة كانت تفكر كيف تقنع كائنا من كائناتها الحبرية أن يتخلى عن حبيبته في سبيل قضية وطن.
من يقنع الكتابة أنّها الدكتاتور الأكبر في هذا العالم، فجأة تسلب منا أحلامنا وكل الذكريات لتنسج بها قصة نترك فيها أدوار البطولة لأشخاص آخرين يتعاطف الناس معهم ويحسدون الكاتب الّذي خلق لهم تلك الحياة، دون أن يدركوا حقيقة أنّه كان يكتبُ وينزف، من يقنع الذين يظنون أن الكتابة مضخّة للمال، أنّ هنالك من فقد حياته بسبب مقال، من يقنع أنفسنا الّتي تواسي بعضها كذباً، أنّ حقيقتنا المشتركة حول شغفنا الزائد بالأقلام تكمن في قول واسيني الأعرج: “نعم نكتب لأننا نريد من الجرح أن يظل حيَّا ومفتوحًا.. نكتب لأن الكائن الذي نحبّ ترك العتبة وخرج ونحن لم نقل له بعد ما كنّا نشتهي قوله.. نكتب بكل بساطة لأننا لا نعرف كيف نكره الآخرين، ولربما لأننا لا نعرف أن نقول شيئًا آخر.”

تعليقات الفايسبوك

7 Comments

  1. Avatar

    حنان منزل غرابة

    رااااائعة *_* ♡

  2. Avatar

    عبد النور شرقي

    حقا رائعة

  3. Avatar

    مساء الخير …
    مقال من اجمل ما قرأت شكرا لك

  4. Avatar

    مريم يوسفي

    كلنا نتقلب على ذات الجمرة الحارقة، موضوع جميل جدا بوركت…

  5. Avatar

    غير معروف

    موضوع قيم ومفيد وجدت نفسي اقراه عديد المرات
    جزيتم خيرا

  6. Avatar

    احببتها بشدة ..

  7. ‎تنبيهات ‫:‬ كيف تكون كاتبا ناجحا - لهاث القضية وامتزاج الحبور

‎التليقات مغلقة‫.‬