الحركات الإصلاحية والتراكمات التكاملية

الحركات الإصلاحية والتراكمات التكاملية

- ‎فيفكر وحضارة
814
التعليقات على الحركات الإصلاحية والتراكمات التكاملية مغلقة

ممّا يلاحظ في حركات الإصلاح في العالم الإسلامي وأعلامها، أنّهم قد قرّروا ضرورة أن تمرّ النّهضة الحضاريّة عبر الإصلاح الثقافي، على أساس أنّ “في البدء كانت الفكرة[1]” ولذلك اشتغل الكثير منهم عليها، مثل: جمال الدّين الأفغاني، محمد عبده، محمد إقبال، عبد الرحمن الكواكبي، مالك بن نبي، ابن باديس، جاسم سلطان، عبد الكريم بكار…الخ، فكلّ حضارة في حقيقتها هي انعكاس لثقافة قادرة على حمل عبء الدخول في التاريخ.

ولكن المشكلة أنّنا كجماهير، لا زلنا نتعامل مع القضيّة النهضويّة بشكل سلبيّ، حيث أنّنا نبتغي إعادة إحياء حضارتنا الآفلة، لا لكي نؤدي في ظلها رسالتنا السماويّة، بل لكي نشابه الغرب في رخائهم المعيشي !فلا عجب إذا أن نتعامل (عموما) مع الحركات الإصلاحية وروادها، بنوع من العبودية! نطلب بركات الفكر الإصلاحي المقدس أكثر مما نسعى لفقهه و تجسيده ! ذلك لأنّ من كان هدفه الاسترخاء في ظل الحضارة، فتلقائيا سينفر من بذل الجهد في احياءها.

من هنا نفهم حجم الخيبة الّتي تصيب الجماهير، عقب انتهاء مغامرة كل رحلة إصلاحية لهذه الحركات، إذ أنّها تعجز عن رؤية تطور الفكر الإصلاحي بتعاقب هذه الحركات وتكاملها نقديّا، كما تعجز عن ادراك مسؤوليتها في تجسيد هذا الفكر الإصلاحي، فتحكم عليها بالفشل، وهي بسلوكها هذا تحاول عزلها عن بعضها البعض، من حيث لا تدري !

ولولا أن فئة من الأمّة، لا زالوا و لا يزالون يؤمنون بضرورة تجديد هذه المساعي الإصلاحية، واستئنافها بنقدها ابتداء، والاعتبار من أخطائها ومحاسنها، لصدقت رؤية الجماهير حول هذه الحركات … و لكن رحمة الله تتجلى في إبقاء هذه الفئة، الآخذة على عاتقها قيادة التيار الإصلاحي.

ولنجاح مهمّة هذه الفئة، لابد أن تراعى شرط الأصالة، ومن باب اللزوم نحن نعلم أن الحضارة لا يصنعها المقلّدون، لأن المُقلِّدين عبيد للمُقلَّدين! والحضارة لا يملكها عبيد، و من حيث واقعيّة المسار التاريخي، فإن الثّقافة الحضاريّة المرجوة، لابدّ أن تدرك واقع الحال والمآل …

و لهذا فإن مهمّة الحركات الإصلاحية، تكمن في تشخيص الأمراض الثقافية المتجذرة في تاريخ الأمة وإصلاحها، بتسبيق الإصلاح الثقافي بخطوة عن الإصلاح الحضاري، على الأقل كي يصلح الواقع المعاصر، منطلقا نحو مستقبل حضاري مشرق، ومن جهة أخرى، لابد لها أن تشرك الإنسان المنتمي لهذه الأمة الإسلامية، من مختلف الأجناس والأعراق، في مختلف أقطار الأمّة الإسلامية، فليس في اختلافهم خطر، بل العكس تماما، مادمنا نملك عنصر الوحدة الدينية: “الدين الإسلامي”، فلابد أن يتحوّل هذا الاختلاف إلى علّة للتكامل، ترسم فسيفساء ثقافية، قادرة على مواجهة تحديات الحضارة … فهذه الوحدة الروحية هي أصل وحدة التوجّه الحضاري من جهة، والقائم على التكامل متعدّد الاتجاهات، من الوقت (التاريخ) والإنسان (مختلف الأجناس والأعراق) و التراب (مختلف الأقطار) …

و الله أعلم

[1] – فكرة فلسفية ، مفادها أن لكل موجود فكرته السابقة له، فكذلك الأمر مع الحضارة، فإن الثقافة هي فكرتها السابقة لها.

تعليقات الفايسبوك