مدرسة اليُتم ومسؤولية الضمير

مدرسة اليُتم ومسؤولية الضمير

- ‎فيمجتمع وأخلاق
1798
التعليقات على مدرسة اليُتم ومسؤولية الضمير مغلقة

مدرسة اليُتم ومسؤولية الضمير
ممّا أهدتني تجارب الشباب زيارة لدار الأيتام أو كما يسمّى في الجزائر “الطفولة المسعفة”. لقد أردنا بزيارتنا تلك أن نفتح بابا في عالمنا كشابات نلِج من خلاله إلى عوالم تجاورُنا وما نعلم شيئا عن سرِّها، وتصرخ فينا وما نسمع لها حسّا ولا همسا.
وصلنا إلى الدار فوجدناها موصدة بباب ضخم من حديد لا زينة فيه ولا حياة، وأحيطت بسياج شائك ودهنت بلون رمادي كئيب. فأوجست في نفسي خيفة من هذا العالم الحزين الذي ألِجه وكأنّ داخلَه لا يخرج منه إلّا وقد ملأ قلبه خوفا وهمّا وخشية ممّا خارج الأسوار. دخلنا فوجدنا الهدوء قد خيّمت أجنحته على المكان، وما كانت الوحشة التي تتلوّى في ثنايا هذا المبنى غير شبح الظلم مكشرا عن أنيابه، ومن غير صوت يحكي تأبّط النزوة للغفلة في عزلة زيّنتها وساوس الغزل وأحلام الغرام.
توجّهنا إلى الإدارة وسمعنا من المديرة حكايات تطول فصولها وآلامها قد طويت في قلوب أولئك اليتيمات.

وبينما نحن كذلك وإذْ بإحدى البنات في سنّ المراهقة تدخل صارخة: “هذا هو الرّجل” مقبِّلة صورة “صدّام حسين”، وكانت حينئذ حرب الخليج الأولى دائرة رحاها. ما علمت المسكينة في عالمها ذاك إلّا أن صدّاما قد هاجم إسرائيل واقترب من تحرير بيت المقدس! إنّها تعيش بين أسوار اليتم، وأسوار نظام الدّار وأسوار الإعلام المأمور من سيّده، فأنّى لها أن تعلم إلّا ما يؤذن لها أن تعلم به. تأمّلت حالها وقتئذ وتعجّبت من تصرُّفها بطريقة طفولية جدّا مقارنة مع سنِّها الذي قارب العشرين. رَثَيْتُ لحالها، وأشفقت عليها، ولم أر بدّا من أن أفتح لها أبواب قلبي كي تلمس النّفسُ النّفس.كان المكان يجمعنا بأجسادنا كشباب ولكن كانت عوالمنا متباينة تباين أسباب وجودنا وجريان أحكام العرف على كلٍّ منّا. نظرت إليها وإلى نفسي، وكانت تقاربني سنّا، فشعرتُ بأنّاتها في قلبي وحرقتها في روحي واعتراني منها الفكر إلى يومي هذا.

لقد رأيتها من قبل في عالمي وليس في عالمها. كنتُ أقطنُ في ذلك الحين بالحيِّ الجامعي للبنات في نفس المدينة على بعد أميال قليلة من دار الأيتام. وقد كانت هذه الشّابة وبعض زميلاتها عاملات جديدات يتدرّبن بحيّنا ذاك، وكانت إحداهن تسكن جارة لي بالعمارة، ولكن بمخزن مغبرٍّ مهجور وبارد بعد طردها من الدّار. أمّا عنِّي فقد كنتُ على بعدٍ نفسيٍّ ما بيني وبينهنّ، وما كنت أدري عن حياة تلك الشّابة شيئا قبل ذلك غير اعتقادي بأنّ سنين العمر ما صقلتها، بل بدت لي مسجونة في سذاجة طفولتها. ولكن حينما رأيتُها في عالمها تكلّم حالُها في قلبي موبِّخا أن حكمتُ على من لم أعرف يوما، وخُيِّل إليَّ أنّ وجعها سيلطمُ وجهي صارخا فيه: نصبتُم لي المحاكم وما جنيتُ، وحاسبتموني على جرم غيري، وما كنتُ عندكم إلّا رقما في زنزانة الحياة الملوّثة، بينما رأيتم أنفسكم الحياة العفيفة الطّاهرة من حولي. كان صمت المكان وهيأته، وبؤس تلك الشابّة ونظرتها إلينا شهود محكمة العدالة العاملة في نفسي.كان صمت الموقف مدويّا، غارفا من قدر الألم وتمثّلتُ نفسي في محراب إنسانيّة لفّها الأنين، ومحكمة غاب مجرموها كي يقف في زنزانة الاتهام من عليهم وقع الجرم الأكبر، ونكون نحن من يحكم وينفذ الحكم عليهم. نعم هو اليُتم في مجتمع نسِيَت فضيلتُه قول الرّب الرّحيم: ” فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ”، فأيّ قهر أكبر من طرد هؤلاء من روح الحياة كي ينقلوا من دار إلى دار ومن حرمان إلى حرمان حتّى إذا تفتّقت براعمُهم طردوا إلى الرُّزء الأكبر وصار المجهول محضنهم. ويا له من محضنٍ هائج، تصطخبُ أمواجُه، ويعُبُّ عبابُه، وأخوف الخوف أن ينفث في وجوهنا حممه ليحرق قلوبنا بفصل جديد بدايته كلمة “يُتم”. أيقنَت نفسي حينئذ أن التّديّن الذي أدّعيه قد غابت عنه روح العدالة، كيف وربّنا قد ربطها بالتقوى: “اعدلوا هو أقرب للتقوى”، فأيّ عدل في سجن طفولة ما أجرمت وإطلاق العنان للمجرم باسم الحبّ، فأيّ حبّ هذا؟ بل أيّ رحمة في روح مجتمع يقول للجاني: “شاب صاع وضاع ثم تاب!” ولكنّها نزوة حكمت بالمؤبّد على نتائجها. أفي علاقة “الهوى” تلك معنى غير معنى الإجرام وأنانية النّفس الشّرهة، ومسخ النّسل وصبيانيّة الإرادة؟
وبينما نحن كذلك إذ فُتح باب السِّجن الطفوليّ فإذا بطفلة عمرها لا يتجاوز التّاسعة أو العاشرة..دخلت بمحفظتها وكأنّ الهمّ قد تلبّسها. دخلت متكسِّرة الهيأة من الحزن، مرضوضة الجوانح من الألم، متثاقلة الخطوات نحو مكان لخّص الحكاية…اتجهت نحو المسكن ثم رجعت إلى السّاحة لتقعد جنب السِّياج الشَّائك لا تُكلِّم أحدا ولا يكلّمها أحد. صامتة وغارقة في حزنها فما جرت في الفناء وما لعبت، وكأنّها تشتكي همومها إلى ذلك السِّياج وترى تماثلا في تشابكاته وأشواكه مع حياة ما رأت فيها حماية الأب ولا حنوّ الأمّ.

أطرقَت تفكر، وبدا عليها كأنّها تبحث عن الحبِّ في أَسْفَلْت الأرض، مدهوشة شاردة الذهن، كأنّ في قلبها أمٌّ بعيدة بُعد بحثها عن موقعها في الحياة وحيرتها فيمن تكون. كلّما تذكّرتُ هيأتها خيِّل إليَّ أنَ أمّهات مدرستها جميعهنّ وأحاديث الأمومة كلّها، التي تسمعها من رفاق عالمها المدرسيّ، قد حشرت في مائدة الأسفلت المسائية تلك، ومرّت كلّ واحدة تربِّت على قلبها الموجوع بلمسة أو حضنة أو بسمة، وتسألها عمّا تريد أن تأكله، وتُلائم أمومتها في كلِّ ذلك بحلم في نفسها قد حُرمت منه. وكأنّ دائرة الزّمن تدور أمامها لترى أمّها ترضعها، وتحضنها وتناغيها وتقبِّلها وترى أباها يفيض حبّ أمّها وحبّها عليها فتنهل من ينابيع الحبّ ثقة في النفس وابتساما للحياة لتُمسك خيوط الشّمس وتنسج بها فستان فرحها المستقبليّ؛ فهي بتحديقها في الأرض ترى وتسمع ما لا نراه وما لا ندركه، ولعلّها قد رأت الفردوس ملخَّصة في لثغات طفولتها بين أب وأمّ! تنهّدت وكان تنهّدها معلِنا أنّ رحلة الوهم قد انتهت وأنّ عليها أن تنزل من قطار الوهم إلى همّ الحياة. وكذلك بئست المسكينة مدى الحياة بعشق أنانيٍّ في لحظةٍ سُرقَت من رحمةِ الحياة باسم الحبّ لترسم الشقاء في حياة جديدة؛ فهل كان أولّ ما نطقت به تلك المسكينة كلمتي أبي وأمّي أم يُتمي وهمّي؟

ربما أن والد تلك البنت قد كتب قصيدة غزليّة لأمِّها تهتزّ لها مشاعر الرّحماء، ولكن حال اليتيمة قد سجّل تاريخا آخر وهجاءً بكل حرف غزلٍ فيها. ما أسخف الحبّ حينما يكون نزوة جسد في لحظة خارج المسؤولية والرّحمة، متمثِّلا شبح موتٍ للأرواح، يتوسّل مغفّلةً كي تهديه رحمها ليزرع فيه بذرة الموت، ثم يختفي بعدها وإلى الأبد. وما يلبث ذلك الرّحم أن يلفظ مولودا صارخا ببكاء لا يدري مدى صداه إلا قلبه، أمّا أمّه فلعلها ودّعته على باب الدّار بآهات فؤاد دنِفٍ سقيمٍ. وربَّما أنّ الأمّ قد خبّأت نفسها لعهدٍ من أعين السّاخرين والهازئين وحان وقت عتاق الجسد ليعلن بداية سجن الروح عند عتبة الدّار، وينطلق بكاؤها ونشيجها بينها وبين نفسها عند كلّ مشهد لطفل بعمر وليدها. ولعلّه ألمٌ طوت عليه ضُلوعها ، وكاتَمتهُ فؤادَها، وملَك عليها خوالجَها، أملا في طلوع فجر جديد من رحم ظلام دفن أحلامها العذريّة.
لقد كان حال تلك الطفلة كتابا قد انطوى على قصائد هجاء للعابثين باسم العشق والهوى عنوانه “الوجه القبيح للعشق الحرام”. بقي منظر وحدتها، وكآبتها بين أحناء ضلوعي يراودني ويبكيني، وخاصّة بعدما تذوّقتُ الأمومة ومعانيها. لقد تصفَّحت حالتها وقتئذ بنظرة البُنيَّة المدلّلة في حضن والديها فتوجّعت، ثم رأيتُه بعد ذلك بمنظار الأمّ الحانية على صغارها فبكى قلبي دما، ثم شاهدته بمنظار طالبة الشريعة والباحثة التربويّة فما زادني إلّا احتقارا لقوانين المجتمع في عقاب الضحيّة باسم الفضيلة.

غادرت سجن الطفولة ذاك ولكن لطماتُ جدرانه وأحزانُ وجه تلك البنت ما غادرت فؤادي، وصرتُ أرى بعين قلبي أنّ كلّ قصة عشق خارج الزّواج ومسؤولياته إنّما هي مشروع قتلٍ لنفس بريئة بحبل النّزوة، بعد سجنها بين جدران الأحزان وسلخها بالتهميش في المجتمع قبل الإعدام الأخير بطردها إلى شارع الموت مع بلوغ السِّنِّ الموعود. خرجتُ من غَلَس الأحزان ذاك وما عاد حكم العُرف يحكمني في رؤيتي إلى أولئك الأيتام. انصرفنا من مبنى الأيتام ونحن بزعم أنفسنا أنّنا أبناء الفضيلة، فإذا بالفضيلة تحاكمني بعد ذلك باسم العدالة بسبب سجن هؤلاء وعدم إدماجهم في الحياة واحترام إنسانيتهم البريئة!

كانت تلك الزيارة وكأنَّني في الأرض ولكن نفسي خرجت من الأرض لبرهة؛ ليت مجتمعنا كلّه يزور بعين قلبه تلك الدور كي يقرِّر أن يكون رحمة الأمّ المفقودة وحماية الأب المسلوبة، وليرسم ابتسامات الحبِّ في قلوبٍ غالبَتها زفراتُ موتِ الأمل التي تعتلجها في كلِّ لحظة بين قضبان اليُتم، ورماح قسوة المجتمع باسم الفضيلة. ليت مجتمعنا تظهرُ له روح اليتيم وعواطفه وأحلامه كي يراها ماثلة تتوسَّل رحمته وتتودّد عطفه وتستجدي عدالته؛ لأنّها ما اختارت كما أنّهم ما اختاروا. ليت العابثين تحت إزار العشق والحريّة يزورون تلك الدّور حتى لا يفتحوا باب الجحيم على نفس بريئة بمفتاح رذيلة سَمَّوهُ زورا: “الحبّ”.

المؤلف

فلة لحمر
فلة لحمر من مواليد ولاية قالمة، متزوجة وأم لأربعة أطفال. حاصلة على شهادة الدكتوراه في التعليم سنة 2012 من معهد التعليم بجامعة نوتنغهام. قبل ذلك، تخرجت من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية سنة 1993 تخصص كتاب وسنة. حصلت على شهادة تدريب أساتذة لتعليم الكبار سنة 1997 من كلية كلارندن بنوتنغهام، وفي سنة 2002 حصلت على شهادة التعليم العالي في التعليم بمجال التقنية المعلوماتية في المجال التربوي من الجامعة البريطانية المفتوحة. حصلت على ماستر دراسات إسلامية من معهد ماركفيلد للدراسات الإسلامية بمصادقة جامعهة لفبرة سنة 2005، بمذكرة عنوانها: أثر التقنية المعلوماتية في تحفيز وتحصيل الطالبات بمادة الفقه الإسلامي. أتبعت ذلك بماستر في منهجية البحث العلمي بالتعليم سنة 2007 من جامعة نوتنغهام البريطانية. اشتغلت فلة لحمر كباحثة مشاركة بمعهد نوتنغهام في مجال التعليم العالي الدولي. اشتغلت كمدرسة بكلية لندن المفتوحة للدراسات الإسلامية لطلبة ليسانس. شاركت في تطوير المناهج بمعهد الصراط للدراسات الإسلامية، كما اشتغلت كمدرسة ورئيسة قسم الدراسات الإسلامية بمعهد جامعهة الهدى الإسلامي بمدينة نوتنغهام. ناشطة بالمجال الدعوي والتربوي وسط المجتمع المسلم المتنوع بمدينة نوتنغهام، كما نشرت مجموعة مقالات أسرية تربوية بموقع الإسلام اليوم، ولها مشاركات تلفيزيونية سياسية بقناة المغاربية وحلقات دعوية بتلفيزيون مسلمي بريطانيا باللغة الإنجليزية. لها منشورات أكاديمية باللّغة الإنجليزية في المجال التربوي والفكر السياسي الإسلامي.

‎مقالات ذات صلة

تعليقات الفايسبوك