حقيقة العلمانية

حقيقة العلمانية

- ‎فيفكر وحضارة
1068
1

حقيقة العلمانية.

إن المطلع على الأوضاع الاجتماعية في بلادنا يرى اختلالات عظيمة، يرى مشاكل لا حصر لها، جعلت المجتمع يعيش البؤس بنوعيه : البؤس الجميل و البؤس المؤلم … و رجال علم الاجتماع يذهبون إلى إرجاع سبب هذا البؤس إلى اختلال التوازنات في التدافعات الحضارية، و التي أفضت إلى تباين شديد في الوضعية الاجتماعية بين مختلف أفراد المجتمع، بينما يذهب رجال السياسة لتحميل الحكام المسؤولية كل المسؤولية، لما آلت إليه الأوضاع في البلدان المختلفة …

و في هذا نجد بعض الإسلاميين يذهبون إلى أن الحل لن يكون إلا بتطبيق الإسلام، و يحتجون بمقولة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشهيرة : “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”، رافضين بذلك الحكم العلماني، بينما يذهب خصومهم العلمانيون العرب، إلى الاستدلال بما وصل إليه الغرب العلماني اليوم، من رقي حضاري و حتى ثقافي، للاحتجاج بمدى صحة و صلاحية الفكر العلماني … و بين الحزب الإسلامي و الحزب العلماني نجد جدالا لا ينتهي …

و العلمانية مفهومها من حيث المبدأ : “فصل الدين عن الدولة”، و هو مفهوم سياسي الطابع كما هو واضح، من حيث إن الحزبين قد اتفقا آنفا على أن أصل كل فساد في البلاد هو فساد الحكم، بالتالي لابد أن يكون الإصلاح انطلاقا من الحكم، و هذا بغض النظر عن وجود تيار إسلامي آخر، يتحدث بمبدإ : (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، و هو ما يمكن أن نسميه بالتيار الاصلاحي التربوي، و الذي يبدو رأيه غريبا ! …

مهما يكن من أمر، لنترك عنا أمر التيار الأخير، و لنبقى على مستوى الحزبين الأولين، الحزب الإسلامي الذي يحتج بأن السياسة لابد أن تكون مرجعيتها الفكرية دينية (القرآن و السنة ، ثم علماء الدين)، والحزب العلماني الذي يحتج بأن المرجعية لابد أن تكون علمية، و هنا يمكن أن نلحظ أن مفهوم العلمانية بدأ يتغير، بل لابد من ذلك، فنحن لما نقول مرجعية، فإننا نقول خلفية، بالتالي لابد أن يكون المفهوم محورا من الخلفية، بمعنى أن مفهوم العلمانية سيتغير من : فصل الدين عن الدولة ، إلى : “تحكيم العلم بدل الدين في أمور الدولة” ، أي العلم الحديث …

العلم الحديث الذي يعلم الجميع أن أحد أسسه الرئيسية، الاستدلال بالأدلة الحسية، بالتالي لا مجال للاستدلال و الاحتجاج بالغيبيات، فالعلم الحديث رغم حاجته إلى الفلسفة، و رغم أنها أصله، إلا أنه أنكرها و قزمها، و جعلها خادمة له، لا لشيء سوى أن الفلسفة نظر عقلي بحت ! فما بالك بالغيبيات المعجزة للعقل، و خاصة العقل العصري ! …

فالحكم العلماني إذن، أو العلمانية عموما (بما أنها تعتمد على العلم الحديث) ترى أحوال الاجتماع من منظور علمي بحت، أي من منظور مقررات النظر العقلي المدعوم بالدلائل الحسية، رافضين بذلك الغيبيات، بما فيه الوحي و الدين … فلا عجب إذن أن نجد مهد الديمقراطية : “لا نريد ربا … لا نريد سيدا”، كما نجد أيضا جوهر الرأسمالية : المنافسة الحرة على تحصيل الأرباح الشخصية، معتمدة على ما يسمى بالمدافعة الحضارية ! … و لعلنا بهذا الشكل يمكننا أن نفهم أصل النظرة الماركسية لأحوال العمران –على حسب اصطلاح ابن خلدون- …

مهما يكن من أمر، نحن نرى أن مفهوم العلمانية قد توسع ليصبح : “النظر العقلي المدعوم بالدلائل الحسية للحياة”، بما فيها الحياة الاجتماعية، و التي هي كائنة في كون شاسع، له تأثيراته على حياة الفرد والمجتمع و الدولة، و المنهج العلمي الذي يرتكز كما قلنا على الدلائل الحسية، و الذي لابد أن تكون ركيزته الفلسفية قانون السببية –فقد سبق و قلنا بأن العلم لا يمكنه أن يستغني عن الفلسفة-، بالتالي لا مفر من محاولة العلم الحديث لتفسير الظواهر المتعلقة بالفرد و المجتمع و الدولة، أعني كل ما يتعلق بالإنسان، بما فيه الكون و مختلف المظاهر الإنسانية، و بالطبع بنظرة علمية حديثة.

هنا يتوسع مفهوم العلمانية و يصبح : “النظر العقلي المدعوم بالدلائل الحسية للحياة و الكون”، وفي هذا الشأن رأينا محاولات تفسيرية علمية ذات الطابع الفضولي، تفسر تفاسير عجيبة غريبة لمختلف الظواهر الإنسانية تفاسير جافة الطبيعة، تفقد الذات الإنسانية إنسانيتها ! و تضعها في سجن القوانين الآلية ! حتى إن الفضول العلمي، قد أدى إلى محاولة بعض العلماء المسلمين الحديثين (للأسف الشديد) إلى محاولة اكتشاف سر الروح (و بهذا الشكل يمكننا أن نرى مظهرا من مظاهر الأثر العلماني العميق في عالمنا الإسلامي)، و التي نعلم عقديا أنها من أمر الله ! أي لا يعلم سرها إلا الله …. و التي تبدو كأنها محاولة لسحب الغيبيات إلى عالم المرئيات !

و قد ذكرنا في أول حديثنا أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، و لكننا في الأخير لا نرى أي محاولة فصل، بل بالعكس، إننا نرى محاولة العلمانية للسيطرة على الدين ! و تحجيمه في مكعبات علمية ! … إنها لا تحاول فقط فصل الغيبيات عن المرئيات، بل إنها تحاول سحب الغيبيات إلى عالم المرئيات ! … وهذا أصل غرور الإنسان الحديث و جهله، فليس صحيحا أن العلمانية تحترم الأديان، بل إنها تحاول تجميدها و تسخيرها، كما شأن كل شيء يتعلق بحياة الإنسان … أليست العلمانية تمجد حياة الإنسان في الدنيا ؟؟!!، والله أعلم.

تعليقات الفايسبوك

‎تعليق واحد

  1. Avatar

    رفيق زبيدات

    الوضع في الوطن العربي لا تصلح معه ديمقراطيه ولا دين لان الشعوب لم تصل بعد الى درجه الوعي المطلوب ولكن توجد هناك نخبه شابه منتنوره وتريد مصلحه الشعوب ولكن ما زالت قوه الجهل هي المسيطرة . لا ادري لماذا تريد تجبر انسان ان يعيش على طريقتك التى ترى فيها انت الخلاص وهي يرى فيها سبب التخلف . لو تحاول ان ترى ان الدين كان سبب يوما من الأيام فى وصولنا الى ارقى درجات التقدم ولكنه لاحقاً أدى بنا الى أدنى الانحطاط عندما قبلنا حكم الأتراك هؤلاء الشعوب البدائية وهذا طبعا باسم الدين .لا أوافقك على انه العلمانية تنكر الله وتوءمن فقط بالملموس والمحسوس ولكنها ترى ان أشياء شخصيه ولا توجد لها علاقه بادراه الدوله المدنيه ودوله علمانيه عربيه لن تكون كدوله علمانيه غربيه لان لكل شعب مورثه .

‎التليقات مغلقة‫.‬